النهار المغربية – محمد زريوح
لم يكن ظهور المعارض والناشط الاستقصائي أمير بوخريص، الشهير بـ “أمير دي زاد”، هذه المرة مجرد ضجيج رقمي عابر، بل جاء كصدمة ارتدادية زلزلت المشهد السياسي في الجزائر.
فقد أعاد الرجل فتح ملف “إلغاء الديون الإفريقية” الذي تبلغ قيمته 1500 مليون دولار، وهو الملف الذي طرحه للعلن قبل عام كامل، ليجد اليوم تصديقاً رسمياً غير متوقع على لسان وزير المالية، ما حول “الإشاعة” السابقة إلى حقيقة سياسية دامغة وضعت مؤسسات الدولة في موقف محرج.
جاء تصريح وزير المالية ليقطع الشك باليقين، مؤكداً أن الجزائر شطبت ديوناً بمليار ونصف مليار دولار لدول إفريقية تحت لافتة “دعم التنمية”.
هذا التأكيد الرسمي منح “أمير دي زاد” فرصة ذهبية ليعود عبر تدوينة نارية، مذكراً الجميع بأنه كان أول من كشف هذا الرقم الضخم حينما كان الجميع يطالبه بالأدلة، معتبراً أن الزمن كان كفيلاً بإثبات مصداقية مصادره التي اخترقت جدار الصمت الحكومي قبل 12 شهراً.
لم يكتفِ بوخريص بالجانب الرقمي، بل غاص في عمق “الخلفيات المشبوهة” لهذا القرار. فقد ربط بشكل مباشر بين التنازل عن هذه الأموال الضخمة وبين محاولات الجزائر استمالة أصوات القارة الإفريقية.
واعتبر أن شطب الديون ليس عملاً خيرياً، بل هو “شراء للولاءات” لدعم جبهة “البوليساريو” ومحاولة يائسة للتشويش على الحسم الأممي القادم في ملف الصحراء المغربية، مما يحول ميزانية الشعب الجزائري إلى وقود لمعارك دبلوماسية إقليمية.
هذا التطابق المذهل بين تسريبات “معارض منفي” وبين الأرقام الرسمية اللاحقة، يفتح ملفاً أمنياً بامتياز حول “الاختراق”. كيف استطاع ناشط عبر فيسبوك الحصول على تفاصيل ميزانية سيادية قبل إقرارها رسمياً بسنة؟
هذا التساؤل يضع علامات استفهام كبرى حول هشاشة جدار الحماية داخل دوائر صنع القرار الجزائري، ويشير إلى وجود “ثقوب سوداء” تسرب أسرار الدولة العليا إلى الخارج بدقة متناهية.
و يرى مراقبون أن وصول هذه المعلومات الحساسة لأمير بوخريص ليس مجرد “شطارة صحفية”، بل قد يكون مؤشراً على صراع أجنحة خفي داخل السلطة، حيث يتم استخدام التسريبات كأداة لتصفية الحسابات.
هذا الانكشاف المعلوماتي يعكس حالة من الترهل في بنية المؤسسات، حيث أصبحت أسرار “المليارات” مشاعة في الفضاء الإلكتروني قبل أن تصل إلى البرلمان أو تُعلن للرأي العام.
ويضع هذا الملف الجزائر أمام مرآة قاسية؛ فبينما يواجه المواطن تحديات اقتصادية، تُنفق المليارات في صفقات سياسية خلف الكواليس. والأخطر من ذلك، هو تحول “المعارضة الافتراضية” إلى مصدر للمعلومة الصادقة، مما يزعزع الثقة في الرواية الرسمية ويؤكد أن منظومة “السرية” في الدولة باتت مخترقة، وأن ما يُخفى في الغرف المظلمة، يجد طريقه دائماً إلى شاشة “أمير دي زاد”.
