المقابلات تُلعب والمهرجانات السينمائية تلغى .. في أسبقية الكرة على السينما

ينعقد مهرجان مراكش الدولي للفيلم في وقته وتلعب مقابلات المنتخبات المغربية على مختلف الأصعدة؛ بينما ألغيت مهرجانات سينمائية وغنائية عربية (الجونة، القاهرة، قرطاج) في أكتوبر ونونبر 2023 بسبب الحرب في غزة.

بالتزامن مع هذا الحداد السينمائي الحصري انعقد فرح رياضي ولعبت فرق الوداد البيضاوي المغربي والأهلي المصري والترجي التونسي ست مباريات في أكتوبر 2023، في ربع النهائي السوبرليغ الإفريقي، كما لعبت أربع مقابلات في نونبر. لعب الأهلي المصري في القاهرة حيث منع المهرجان السينمائي بقرار بوليسي، ولعب الوداد البيضاوي المغربي أمام الترجي الرياضي التونسي بطاقم تحكيم مصري، ولم يتجرأ أحد على إلغاء المباريات بسبب الحرب. الفرح الرياضي مباح.

تجلب المباريات 800 ألف متفرج. تنقل هذه المقابلات بالدفع المسبق لملايين المشاهدين. ستكسب الأندية ملايين الدولارات، بينما سيخسر السينمائيون عائداتهم.

ماذا ستربح فلسطين من هذا؟ إلى أي مدى ينفع إلغاء المهرجانات السينمائية؟.

لا ربح ماديا ولا سياسيا لفلسطين في ذلك.

فلماذا يتم الإلغاء؟.

يتم الإلغاء لاسترضاء مزاج الجمهور. على فرض أن الحكومات التي تلغي مهرجانا سينمائيا هي أكثر تضامنا مع فلسطين؛ هذه مزايدة.

حسابيا، كان عدد قتلى طوفان سدود ليبيا أكثر من ضحايا حرب غزة. لكن ليبيا مختلفة (عرب إفريقيا).

إذن، لماذا يستحيل إلغاء مقابلة في كرة القدم في زمن الحرب بينما يسهل تأجيل وإلغاء مهرجان سينمائي؟

يسهل ذلك بسبب النظرة إلى الفن عموما.

المسكوت عنه في الذهنية السائدة التي تحتفل بإلغاء كل مهرجان فني حصرا هو أن السينما تعني نخبة صغيرة.

للاتفاف على هذا ظهرت فتاوى تبيح تنظيم مهرجان شرط عرض أفلام حزينة وحذف سير السينمائيين على السجادة الحمراء. هذا اختزال للمهرجان في السجادة الحمراء، أي في المنصة التي تضع النساء تحت الأضواء.
الحل أن تدخل الممثلات الجميلات من الباب الخلفي لقاعة السينما وحينها يسمح بعقد المهرجان.

ينتشر خطاب شعبوي وإسلاموي مضاد للفن، وخاصة البصري والسينمائي تحديدا. من يتذكر حملات المطالبة بمنع مسلسل نور ومهند في 2007؟.

ثقافيا، مازالت حوافز محاولات المنع تعمل بين المحيط والخليج.

تكشف تلك المطالب ذهنية أصحابها المناهضة للفن عامة. تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة جملة البداهة “السينما أصلا حرام”.

مسايرة لهذه الذهنية، يتم حذف الثقافة والمهرجانات بينما تلعب مقابلات كرة القدم ذهابا وإيابا. يفترض تأجيل مهرجان قرطاج أن الحرب ستتوقف. من الممكن تأجيل المهرجان مرة واحدة ثم عقده في حينه، أما تأجيله سبع مرات فهذا ليس نصرا للمعترضين، بل هو إهانة للفنانين الذين يعملون وفق جدول مكثف وليس لهم وقت فراغ.

تسمح هذه المقاربة الساخرة باستدراج معارضي السينما لكشفهم. هذه محاولة للتفكير في الموضوع من خارج الصندوق القديم.

سياسيا، جرت في المغرب مسيرات تضامنية ضخمة مع غزة وأرسل القصر الملكي مساعدات بالطائرات. هذا عمل وطني وليس مزايدة، لكن حين يقول قيادي في حماس إنه مندهش من موقف السلطة الفلسطينية من حرب غزة يصعب لوم من ينظم مهرجانات في الجونة أو طنجة. الحقيقة في مكان آخر. حتى الضفة الغربية لا تقاتل. لا يحدق المؤدلجون في الحقيقة، لديهم علبة تخوين جاهزة.

أمنيا، كل مهرجان دولي بالقاهرة يحضره أمريكيون وأوروبيون قد يتعرضوا للخطر. تم المنع لأسباب أمنية، لكن الشعبوية والإسلاموية تطمس حقيقة مصالح الدولة القومية. إن الخلاصة التي سيخرج بها كل من يحدق في الواقع المصري الملاصق لغزة سيدرك أن الإلغاء سببه اعتبارات أمنية والباقي مجرّد ذرائع.

بسبب المزايدة والخوف يخرج إعلاميون من معارضي إلغاء المهرجانات بتدوينات تجريدية عن الجنون وخطر العنف وتحكم العامة.

ولعبت الأندية العربية الإفريقية وتأهلت ولم يقل أحد يجب إلغاء المباريات بسبب الحرب.

لماذا يصعب إلغاء مهرجان كرة قدم ويسهل حذف مهرجان سينما؟.

بسبب هشاشة ولا تجذر الفعل الفني في المجتمع. يتم النظر للمهرجان السينمائي كحفل وليس كحدث ثقافي، لذا سيكون مبررا أن يتم إلغاؤه في أول حادث سيئ. لن تتعاطف جماهير الكرة مع السينما.

هذه الدراما الاجتماعية الجارية هي مناسبة لقراءة نقدية لوعي الفرح في الثقافة الشعبية السائدة.

من يفرح يثير غضب الله، على فرض أن الله يريد أن يرى عباده حزانى، لأن الضحك يميت القلوب والحزن يجعلها تزهر.

تكشف سهولة الإلغاء والتأجيل نقصا في التجذر، ونزعة استرضاء شعبوية.

حين يؤجل مهرجان ما تفرح الصحافة الصفراء الشعبوية.

حاليا في المغرب، لم تلغ الحكومة مهرجان طنجة ومهرجان مراكش بسبب الزلزال المغربي الذي قتل 2900 شخص، فكيف تلغى المهرجانات بسبب زلزال الشرق الأوسط؟.

سيأتي من سيطالب بإلغاء مونديال 2030 لأن هناك حروبا في الشرق الأوسط.

الحروب في الشرق الأوسط مشتعلة منذ ذهب ابن خلدون إلى دمشق 1400م وكاد يقتل هناك. ما وقع في دمشق حينها يجري فيها في 2023.

مغربيا، لا تأجيل ولا إلغاء لمهرجانات السينما وباقي الفنون. الشعب يتظاهر في الشارع دعما لفلسطين والمساعدات ترسل والمقابلات تلعب والأنشطة الثقافية تنعقد. لا يمكن إخضاع جدول الأعمال الوطني المغربي سياسيا واجتماعيا وثقافيا لتقلبات الشرق الأوسط التي لم تهدأ منذ ألف عام.

تابعوا آخر الأخبار من جريدة النهار على Google News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى