تختزل الفنادق الشعبية المتواجدة بالمدينة العتيقة لمراكش، حضارة تاريخية مرت عليها حوالي 400 سنة، وشكلت محطة هامة في الحركة الاقتصادية للمدينة لكون اغلب التجار جعلوا منها مقصدا للمبيت وتخزين سلعهم قبل عرضها في الأسواق او ايجاد من يشتريها قبل عملية العرض، مما جعل هذه الفنادق تحظى باهتمام بالغ خاصة ساكنة المدينة الحمراء لتكتب فيها قصائد شعرية وتردد عليها اغاني شعبية تبرز أهميتها ودورها في تيسير مقام كبار التجار الوافدين على مراكش.
ويرجع تاريخ هذه “الفنادق”، التي كان لها دور كبير في احتضان الزائرين للمدينة بما فيهم دوابهم التي جعل لها جناح خاص بها وهو دليل على العناية التي كانت تحظى بها الحيوانات، الى عهد الموحدين، وتمثل إحدى خصوصيات العمارة المغربية البسيطة والمتفردة ببساطة أشكالها وأقواسها.
وأخذت هذه الفنادق التي شكلت فضاءا لمنتوجات الصناعة التقليدية المغربية الغنية بتنوع واختلاف أنماطها، تسميات مختلفة مرتبطة بالأشخاص، الذين كانوا يتوافدون عليها وتتناسب مع المنتوجات، التي يجري إنجازها بهذه الفضاءات كفندق “مولاي بوبكر” والقباج” و”اللبن”و “الشماع” والخاصة بالحرفيين والصناع التقليدين المتخصصين في صناعة الجلد والنقش على النحاس.
إعادة إنعاش الحرف التقليدية
باعتبارها تراثا ماديا وثقافيا يشهد على مدى الازدهار الذي عرفته مراكش لكونها كانت ملتقى للتجارة على الصعيد الوطني والإفريقي، عرفت هذه الفنادق مؤخرا عمليات ترميم من اجل رد الاعتبارها اليها وابراز الحمولة التاريخية لهذه المباني العتيقة التي مازالت بعض منها تضطلع بهذا الدور ولو بشكل اقل من السابق.
ويتوخى من برنامج تأهيل الفنادق العتيقة بقلب المدينة القديمة لمراكش، الذي يشكل جزءا من مشاريع “مراكش.. الحاضرة المتجددة”، وبرنامج تتمين المدينة العتيقة وتأهيل المدارات السياحية والروحية، ضمان استدامة الموروث الثقافي للمدينة القديمة والمحافظة عليه وإعادة الاعتبار لتاريخها العريق والمساهمة في تثمين المواقع السياحية، والإسهام في الحفاظ على الطابع التراثي والمستدام للمواقع التاريخية بالمدينة العتيقة، بالنظر إلى كونها تزاوج بين صيانة الموروث الثقافي وبعث دينامية جديدة في القاعدة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية المحلية.
وحسب المسؤولين بمؤسسة العمران بمراكش، فإن مشروع إعادة تأهيل الفنادق العتيقة يتماشى مع أهداف المبادرة المغربية للتنمية البشرية، ويستهدف محاربة الهشاشة والإقصاء الاجتماعي، والنهوض بالمنتوجات المحلية للصناعة التقليدية.
وأوضح أيت حجوب خالد صانع تقليدي في تصريح ل”الصحراء المغربية”، أن من شأن صيانة وترميم هده الفنادق بالشكل، الذي يتناسب ومتطلبات الحرف، التي تزاول بها ، أن يبث الروح فيها عبر أنشطة تجارية وثقافية تعيدها إلى سالف عهدها.
وأشار الى أن قطاع الصناعة التقليدية الذي يزخر بالعديد من المؤهلات ويحظى بالرعاية الملكية السامية يمكن أن يشكل رافعة أساسية للتنمية السوسيو – اقتصادية.
من جانبه، أكد عبد العالي الغواسلي خياط تقليدي أن هذه الفنادق حظيت باهتمام خاص من طرف المسؤولين بمراكش، بالنظر إلى المكانة التاريخية، والتراث الإنساني، والهندسة المعمارية، التي تزخر بها.
وأوضح الغواسلي، أن ترميم هذه الفنادق سيساهم في إعادة إنعاش الحرف التقليدية وتثمينها والحفاظ على بعض المهن المهددة بالاندثار، فضلا عن الإسهام في رفع مداخيل الصناع التقليديين، وتحسين ظروف عملهم.
45 فندقا تزاول بها أنشطة الصناعة التقليدية
تتوفر مدينة مراكش على 98 فندقا شعبيا يقع معظمها بمحيط ساحة جامع الفنا وعدد من الأحياء بالمدينة العتيقة، على مساحة إجمالية تقدر بـ 42 ألف متر مربع، من بينها 45 فندقا تزاول بها أنشطة الصناعة التقليدية.
وتتوزع الأنشطة التجارية التي يجري مزاولتها بهده “الفنادق” التي كانت تؤدي وظيفة تجارية بامتياز على مدى العصور، حسب الظروف السياسية والاقتصادية والإجتماعية التي عاشتها مدينة مراكش، ما بين المصنوعات الجلدية والمصنوعات النحاسية والخشبية والأحذية التقليدية وصناعة الفوانيس والنجارة والصياغة.
ويهدف برنامج تأهيل “الفنادق”، إلى الرفع من معدل الدخل الشهري للصانع التقليدي والانتقال من التسويق غير المباشر إلى التسويق المباشر والرفع من نسبة عدد زوار هذه “الفنادق” بنسبة 30 فيالمائة على الأقل.
واستفاد من برنامج إعادة تأهيل وترميم الفنادق العتيقة المخصصة للصناعة التقليدية، أزيد من 3300 صانع تقليدي، ضمنها 16 فندقا أشرفت مؤسسة العمران على ترميمهم في اطار برنامج تتمين المدينة العتيقة 2018-2022، وبرنامج تأهيل المدارات الروحية والسياحية 2017-2019 بكلفة مالية قدرت ب97.6 مليون درهم.
ويتعلق الأمر بكل من فندق مولاي بوبكر الذي خصص له كلفة مالية قدرت بحوالي 5 مليون درهم، وفندق “القباج” الذي خصص له كلفة مالية قدرت ب 6 مليون درهم، وفنادق “الغرابلية” و”الشماع” و”اللبن” و”الهنا” التي تم ترميمها بكلفة مالية اجمالية قدرها 22.5 مليون درهم.
كما تم تخصيص 64.1 مليون درهم ممولة من طرف مؤسسة العمران لترميم واصلاح فنادق “الباشا” و”السرسار 1و2″ و”بوخابية” و”العمري” و”خربوش”و”التدلاوي” والميزان” و”الحاج الطاهر”وبنشبابة”.
وكان فتدق “العمري” نسبة الى عائلة العمري التي اشترت الفندق من عائلة أخرى في القرن 19، مكانا لبيع السكر والشاي، ويتوفر على ساحتين ومكان لأداء الصلاة، وعدة غرف موزعة على المستويين العلوي والسفلي، يحتوي على زخارف ذات لون أحمر أمغر ترسم على واجهات فنائه أشكالا هندسية، مثل المعينات والنجوم وسداسيات وتمانية أضلاع والزوايا.
وتضمنت الأشغال بهذه الفنادق، ترميم الجدران وإعادة بناء الأسقف الآيلة للسقوط وحماية السطح من تسرب المياه وترميم الواجهة وإعادة تبليط الأرضية.
