أحمد اليبوري .. رائد “النهضة الأدبية الحديثة” يدافع عن الجامعة المغربية

“رائد من رواد النهضة الأدبية الحديثة”، “مثقف ملتزم” و”باحث نزيه” وضع “حجر الأساس للنقد القصصي والروائي في المغرب رفقة مجايله محمد برادة”؛ هي صفات متعددة ترتبط بالأكاديميّ أحمد اليبوري، شهد بها أكاديميون ونقاد بارزون في كتاب جديد صدر عن مؤسسة أبي بكر القادري للفكر والثقافة.

في كتاب “أحمد اليبوري والأدب المغربي”، ذكر السيميائي سعيد بنكراد أن المكرّم الذي “يجر وراءه تجربة كبيرة في التدريس والتأطير والفعل الثقافي المدني” كان “مهووسا بالنظريات النقدية الجديدة”؛ لأنه كان يعي أن “فضل هذه التصورات على النص سيكون كبيرا، فهي التي ستحوله من مجرد وثيقة تستعمل ضد الأنظمة السياسية، إلى ما يمكن أن يؤسس وعيا حضاريا يعد النقد الأدبي داخله واجهة من واجهات الفكر التحرري”.

وقال بنكراد: “لم تكن الجامعة يوما منفصلة، كما هي اليوم، عن هموم الوطن وقضاياه في الديمقراطية وكرامة المواطن. لذلك سيكون اليبوري من الأوائل مع الأستاذ محمد برادة والمرحوم محمد مفتاح الذين سيُشيعون في الجامعة هذا النوع النقدي الجديد في كلية الآداب بالرباط أولا، وبعدها في كل كليات الآداب في المغرب”.

أما الناقد أحمد بوحسن فقال إن اليبوري قد “وجه أبحاثه في الدراسات الأدبية المغربية المعاصرة بالبحث في تاريخ النقد السردي المغربي المعاصر، والبحث في صلب وترائب سرودنا المغربية المختلفة والمتنوعة التي تعبر عن الإنسان المغربي في ممارساته الخطابية والرمزية واللغوية والفنية في حياته في مختلف تجلياتها، مع مواكبة أبحاثه للسرد العربي المشرقي”.

وواصل: “لقد انتبه الأستاذ أحمد اليبوري إلى عالمنا السردي القديم والمعاصر، فنبش في مظانّ سرودِنا المغربية المنسية ونفض عنها الغبار، مما جعله يكشف عن المكونات الأولى لسردنا المغربي المعاصر، في الرحلة والحكاية والقصة والرواية. ولا شك أن توجيه البحث في السرد المغربي بمختلف أنواعه يشكل منعطفا تاريخيا هاما في تاريخ نقدنا المغربي المعاصر. فقد كان السرد المشرقي هو الذي يشكل أساس البحث في وسطنا الجامعي والثقافي، علما أن إبراز السرد المغربي إلى جانب السرد العربي في المشرق هو إغناء للسرد العربي عامة”.

هذه الجهود التي كان اليبوري في طليعتها، جعلت “السرد المغربي يأخذ مكانته داخل السرد العربي، بل أصبح لهذا السرد المغربي، مع توالي البحث فيه في الجامعة المغربية وخارجها، هوية خاصة تميزه عن السرود العربية، من خلال انفتاحه على السرد الأوروبي، وسيصبح رائدا في تبني مناهج نقدية وسردية جديدة”، كما ساهمت أبحاث المحتفى به “في إعطاء هوية خاصة للدراسات السردية المغربية، وأصبحت متميزة في العالم العربي، بل وأصبحت مرجعا في ذلك”.

فريد القادري، الكاتب العام لمؤسسة “أبوبكر القادري”، قال إن هذه الشهادات تحتفل برجل فذّ “يعتبر بحق من رواد النهضة الأدبية الحديثة”؛ فهو “المفكر الحامل للقيم المثلى، والأستاذ المتمرس الحريص على التفاني في مهمته النبيلة، وهو العميد الخلّاق، والرئيس المتحرّك الذي ترك بصماته أثناء تسييره لاتحاد كتاب المغرب”.

وزاد: “إن نقاء ضمير المحتفى به، وطيبوبة قلبه، ونكرانه لذاته، بالإضافة إلى تفانيه وإخلاصه في عمله، جعله يحظى بمحبة جميع من عرفه؛ فهم يقدرونه ويثمّنون في كل مناسبة مساهمته في وضع أسس النهضة الأدبية الحديثة، وإشعاعها، وتأسيس تقاليد علمية رائدة”.

الناقد سعيد جبار خطّ بدوره أن اليبوري “علم من أعلام الثقافة المغربية والعربية عامة، عمل خلال عقود متلاحقة على إرساء قواعد منهجية رصينة للبحث العلمي في الجامعة المغربية (…) ساهم في تشكيل وعي نقدي جديد أطر جيلا من النقاد الشباب آنذاك، حملوا مشعل الثقافة المغربية وتطوير مسارها”.

وشهد الأكاديمي إبراهيم السولامي بأن اليبوري “عمل منذ بدْء الالتحاق بالتدريس الجامعي على ترسيخ المتن المغربي، الحديث خاصة، وإيلائه المكانة التي تدفع إلى منافسة الإبداع المشرقي الكاسح، تحدوه في ذلك روح المثقف الوطني الحريص على أصول البحث العلمي، وعلى القيم الإنسانية العامة”.

وكان المكرَّم “سباقا إلى العناية بالفن القصصي، لإدراكه قيمته الفنية ورحابة تعبيره عن قضايا المجتمع المتشعبة، وأيضا لأن السائد في أدبنا المغربي كان الشعر”.

ثم أردف قائلا: “في كتب الأستاذ اليبوري (فن القصة بالمغرب)، (دينامية النص)، (الكتابة الروائية بالمغرب) وغيرها، يبدو كاتبا واسع المعرفة، ولكنه يحبذ القصاصين من بني وطنه دون أن يخضع في انتقائه لأسباب ذاتية أو سياسية. ويتجلى ذلك في النصوص التي درسها، فهي تجمع بين أشتات من الاتجاهات والقناعات، فإلى جانب العروي نجد غلاب والمديني. وهي سمة الباحث النزيه”، وهي “النزاهة التي أبان عنها في دراسته لديوان (روض الزيتون) لشاعر الحمراء ابن ابراهيم. هذا الشاعر الموهوب الذي رماه الكثيرون بالخائن لوطنه”.

الناقد شعيب حليفي تحدث من جهته عن اليبوري بوصفه “مدرسة لنشاط معرفي متوهِّج”؛ فقد “استطاع خلال مسيرته الطويلة في الثقافة والبحث العلمي أن يكون مثقفا متعددا ومؤثرا، ومساهما فاعلا في كل التحولات الأساسية في الثقافة المغربية، بحيث لا يخلو يومٌ مِن ذكر اسمه مرتبطا بأفكاره وبحوثه ومواقفه في واحدة أو أكثر من ثلاث عشرةَ جامعة بالمغرب تدين له بالشيء الكثير، ممن تتلمذوا على يديه بسلا ثم فاس وبالرباط منذ ستينيات القرن الماضي وعلى مدى أزيد من أربعة عقود بشكل مباشر، أو ممن نهلوا من معارف كتبه النقدية، ومن مقالاته ومناقشاته، ومما نشره طلبته من بحوث أشرف عليها أو ناقشها”.

ووقف حليفي عند ثلاثة مسارات كبرى “بلورت أفق شخصية اليبوري، وشكلت صورته الأيقونة التي أصبحت مرجعا في الثقافة والعلم والأخلاق”، أولها “مساره الإنساني، طفلا ثم شابا مناضلا تشرَّب من معين الأفكار التقدمية والتنويرية، من رموز الفكر السياسي والوطني وفكر التنوير الإنساني. ثم أبا ومواطنا مسؤولا، وملاذا، وشجرة يستظل بها الأبناء والحفدة، الطلبة والأساتذة”.

ثاني المسارات “مسار الأستاذية والبحث العلمي في فاس والرباط، والتجديد الذي حققه في الدرس الأدبي، بحيث يعود إليه الفضل في إدخال المناهج والنصوص الحديثة في المقررات الجامعية، كما حقق إلى جانب محمد برادة وغيره من زملائهما في الشعر والمسرح، ذلك الانفتاح الثوري الخلاق في الدراسات العليا، الذي كان له الأثر الجلي في تطور البحث العلمي بالمغرب، والنقد الأدبي، وإثراء الثقافة المغربية بأفكار وأسئلة جديدة”.

أما ثالث المسارات فـ”مسار المثقف العضوي الممارس في واجهات متعددة، داخل المغرب وخارجه، مسؤولا على رأس اتحاد كتاب المغرب أو مثقفا إلى جانب نخبة من الأدباء المغاربة والعرب بحمولات فكرية لا تُهادن أو تستجدي”؛ فهو “المثقف الذي لا يكتب إلا بما يؤمن به ويمثل قناعاته الإنسانية، لذلك فكل أفكاره تسمو عن الذاتي أو الظرفي وتنزع إلى الكوني (…) دائم الانشغال بالتجديد والتطور والأفكار باعتبارها أشكالا وتعبيرات”.

وفي جانب آخر وهو عميد بالنيابة والمسؤول الأول عن “آداب فاس” ورئيس شعبة اللغة العربية وآدابها، قدم الشاهد أمثلة عن معدن اليبوري، قائلا: “إثر مقاطعة الطلبة للامتحانات آخر السنة، طلبت منه السلطة، بصفة رسمية، السماح لبعض رجال الأمن الدخول إلى قاعات الامتحانات لتكسير الإضراب بطرقهم المعهودة. لكنه رفض رفضا قاطعا، مؤكدا أنه مسؤول عن سلامة الامتحانات، وضمنها حرية الطلبة. ولا يمكن أن يقبل أو يشارك بالتدليس في هذا المجال. وفي حادثة ثانية تدخل الأمن فأهانوا الطلبة والأساتذة، إثرها قدم اليبوري استقالته احتجاجا وتعبيرا عن قناعاته الشجاعة”.

وقال حليفي: “إن الذي تربى على الاستقامة والجهر بالرأي لا يمكن أن يكون إلا بهذه المواقف المعاندة لكل تسلط أو موقف يعادي الكرامة والحرية، لذلك فبعد إلقائه خطابا بدون بروتوكول أمام الملك الحسن الثاني في مناظرة إفران سنة 1970، سيعملون مباشرة على تنقيله عسفا إلى المعهد الجامعي للبحث العلمي لإبعاده عن الجامعة والأساتذة والطلبة، بعدما ساهم خلال فترة قصيرة في تأسيس الدرس الأدبي والنقدي وتحديثه، وترسيخ قيم الأخلاق داخل الهيئة الإدارية والتربوية، وداخل أوساط الطلبة كذلك، وبالتالي تكريس مبدأ استقلالية الجامعة المغربية”.

ثم “في المنفى، استطاع تحويل العزلة إلى بناء جديد للحظة التأمل، وفرصة للقراءة والتأمل والتفكير، إلى أن عاد إلى الجامعة مجددا سنة 1974 بكلية الآداب بالرباط”.

أما الناقد نجيب العوفي فقد انتبه إلى “اليبوري الأديب المبدع المتواري” خلف “اليبوري الناقد الباحث والأستاذ الجامعي المتمرّس” الذي وضع “حجر الأساس للنقد القصصي والروائي في المغرب” رفقة محمد برادة، قبل أن يتطرّق إلى اقتصاده في الإنتاج والكتابة، دليلا على “احترام الكتابة، وتجنب الاستسهال والإسهال الأدبيَين، مثله في ذلك مثل رفيقه الجامعي السوري الشاعر العالم أمجد الطرابلسي”؛ لأن “هؤلاء يؤلفون أجيالا وعقولا، قبل أن يصنّفوا كتبا وفصولا. يؤلفون كتائب ثقافية قبل الكتب الثقافية. ولا يصنع هذا إلا الكبار”.

تابعوا آخر الأخبار من جريدة النهار على Google News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى