شغف مجنون” .. بن زيدان يحدّث مسرحيا الأسطورة الأمازيغية “إسلي وتسليت

إعادة كتابة مسرحية للأسطورة الأمازيغية “إسلي وتسليت”، بعد “عشق لتفاصيلها وتراثها الإنساني”، تحضر في أحدث نصوص الكاتب المسرحي المغربي عبد الرحمن بن زيدان التي صدرت مهتمة بالعشق المستحيل بعنوان “أَسَفار في شغف مجنون ـ إسلي وتسليت”.

وفي مقدّمة حول نصه المسرحي، كتب عبد الرحمن بن زيدان أن “فاعلية المتخيل في الإبداع ـ أي إبداع ـ هو الذي يعطي للكتابة إمكانية التعامل مع التراث وفهمه، وقراءته، واستنباط المعاني منه بما سيساعد على توفير إمكانية الإضافة، وتحويل ما يمكن تحويله في الكتابة إلى طروحات جديدة توسّع من رؤية النص حتى يكون تكوينه الدلالي توليدا للنص الجديد الذي أريد إنجازه، ويكون تكوينا لما أضمّنه من رؤية تراجيدية قد تختفي في غور الخطابات، وقرار دلالاته، أو أنها تبقى ظاهرة بإيحاءاتها”.

وتابع مبينا أن هذا ما راهن عليه وهو يبني “صيرورة الأحداث بالشخصية الواقعية الرمزية، والشخوص المتخيلة لتكون شبكة العلاقات في المنظومة السردية لجامع ما يقوله النص بالتاريخ، وبالمتخيل، وبالشخوص التي وضعت لها وظيفة توجد في سيرورة أحداث النص الجديد أساس بلورة وجود النص الجديد بالتناول الجديد لموضوع العشق الذي أدخلته صيرورته في مدارات أخرى فرضتها طبيعة الكتابة الجديدة والرؤية الجديدة لمكوناتها الدلالية”.

هذه “الأسطورة الرائجة في المغرب”، “ثيماتُها”، وفق مستلهِمِها مسرحيا، “العشق بين موحا وحادة (إسلي وتسليت)”، و”العامل القبلي الذي كان المعيق الأساس الذي حال بين زواج العشيقين نتيجة الصراع المحتدم بين القبائل حول الماء، والزراعة، والمصالح القبلية القائمة على الانتقام وحبّ السيطرة على البلاد والعباد”، و”الموت التراجيدي للبطلين الحقيقيين أو المتخيلين اللذين أنتجهما الوعي الجمعي الأمازيغي”، ثم يضيف: “هناك من يقول إن العشيقين تزوجا بعد صراع دموي بين القبائل بعد أن تمّت المصالحة بين أطراف الصراع”.

وأردف الكاتب المسرحي قائلا: “هذه الثيمات المركزية التي أحاطت بالأسطورة الأمازيغية (إسلي وتسليت) هي التي حفزتني على كتابة نص درامي جديد برؤية جديدة أحببتها أن تكون حافلة بتقديم رؤية معاصرة للتراث، وللعشق، وللصراع النفسي للبطلة التي أعطيتها اسم ( أَسَفار)، مستعينا بكل ما سيوفره المتخيل الدرامي للإبداع من إمكانات التخييل الذي يريد الكتابة المسرحية أن تبني بالإضافة، وبالتأويل، وبالاختلاف ما به تزول الحدود بين رؤيتي المعاصرة للتراث ورؤية الأسطورة والواقع بما هو واقع لا تزال الذاكرة الجمعية الأمازيغية تحكيه بالاختلاف الرائج حول موضوع الحكاية لأنه مكون جوهري من مكونات التراث الشفوي الذي ما يزال يحمل أصالة حقيقية يمكن تصنيفها ضمن التراث الثقافي الأمازيغي اللامادي”.

ثم استرسل بن زيدان كاتبا: “لقد كانت كتابة النص الجديد بخطابه الخاص متماهية مع شخصيتي (إسلي وتسليت)، وكانت مركزية الحكي والبوح الذي تعشقه تسليت (أَسَفار) كتابة سيرة ذاتية للشخصية المحورية أردتها أن تكون هي القابضة على شعرية المحكي، وعلى الكلام الرومانسي، والصراع والبحث عن إسلي وهي تسبح في ذات شفيفة تفيض عشقا كما هو خطاب (أَسَفار) الذي كان ينسكب في خطاب الغائب (أموضين) لأن التجربة عندهما واحدة، والمعاناة واحدة، والإخفاق واحد، والانتماء واحد إلى عالم لا يرحم”.

وواصل: “على الرغم من المعيقات الموجودة بين لقاء (إسلي وتسليت) ـ ( أَسَفار وأموضين) فقد جعلني التماهي معهما أُسهل عملية انهمار الدلالات في خطابيهما، وكنت أجعل من دفق أحاسيسهما نقطة التقاء بين العاشقين”، مع الانتباه إلى مَسْرَحَة “المادة التراثية بالتشابه الذي يقود رمزيا إلى (…) التناغم والاختلاف بين ما مضى وبين الواقع المعاصر، دون الابتعاد عن جوهر الحكايات وهو ما مثلته الشخوص الفاعلة في سير قصة (إسلي وتسليت)”.

ومع “الإمعان في ربط أسطورة (إسلي وتسليت) بموضوع العشق، وموضوع الصراع القبلي”، “حدّث” الكاتب المسرحي “الأسطورة ومفرداتها” لتتفاعل القصة المُمَسرحة مع سياقاته وسياقات العالم؛ وسجّل شارحا: “تسليت ـ وأنا أقرأ أسطورتها أثناء قراءة التراث الأمازيغي (…) وجدتها ذاكرة تلِدة، جموحة، روّضت كتاباتي كي أكتب عنها وعن عالمها وأكتب عن الحالات المشتركة بيني ككاتب وبينها كوعي تاريخي لما يجري في العالم المعاصر”.

وعدّد بن زيدان جوانب تحديثه للأسطورة: “لقد جعلت الأماكن التي تجري فيها الأحداث مطلقة، رمزية (المقهى ـ المحطة كمكان للانتظار ـ والمحكمة كمكان للمحاسبة والعتاب)، مع الإشارة في بعض حوارات النص إلى بعض الأماكن التي تعطي لهوية زمن النص انسجامه الممكن في أسْفار متخيلة هي مكون الكتابة النصية بمعاني الشغف، والعشق اللذين كانا آخر فصولهما في الأسطورة وجود إسلي وتسليت تحت الماء، بعد أن قتلتهما الكراهية كعاشقين لا يفترقان لتبقى الثيمة المركزية في هذه الأسفار هي الكشف عن ذيوع ثقافة الكره في العالم المعاصر ليس بين الأفراد ـ فقط ـ ولكن ما بين القوى العظمى وأصحاب المصالح الكبرى في عالم تكون فيه الشعوب ضحية الحروب، والاستغلال، والنهب المنظم لخيراتها، وضحية التفرقة العنصرية، وتكون ضحية الحروب البيولوجية التي توسع من هيمنة الرساميل الغربية على العالم”.

ثم ختم بقول: “إعادة كتابة الأسطورة الأمازيغية (إسلي وتسليت) التي عشقت تفاصيلها، وأحببت تراثها الإنساني، هو باعثي على إعادة صوغ حكاية العشق المستحيل الذي حفلت به الذاكرة الأمازيغية، ودفعت بي إلى مشاركة ضحايا العشق عشقهم، ومعايشة مأساتهم، وربط القديم بالمعطيات الحياتية في هذا القرن، وهو ما وضعني أمام تجريب كتابِيّ خلصت منه إلى أن أُحرّر ما أقوله تحريرا واضحا حالما أحيانا، وسياسيا أحيانا أخرى، ومرات عديدة رومانسيا تحركه نوستالجيا خاصة لكل الأزمنة الغابرة للموروث حتى أجعل إنسيابية تعبير الشخوص خطابات موزونة بميزان التعبير عن المشاعر الحالمة لتكون أقرب من موضوع إنساني هو العشق، والصراع الاجتماعي والحضاري، وتقريب الدال الذاتي من مدلوله السياسي، وهو ما أردته أن يكون إضافة نوعية إلى كل كتاباتي الموصوفة بصفاتها الخاصة والمعروفة بجرأتها في كتابة معاني الحياة ليشاركني في متعة جمالياتها كل من يعيش حالات العشق الممكن، في العشق الحقيقي قبل السياسة، أو العشق المستحيل الذي يبقى حيا في كل الأزمنة والأمكنة”.

تابعوا آخر الأخبار من جريدة النهار على Google News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى