الصايل يرصد تطور الدرس الفلسفي خلال “السنوات العجاف” للتعليم المغربي

الصايل يرصد تطور الدرس الفلسفي خلال "السنوات العجاف" للتعليم المغربي
حجم الخط:

إن السر في بناء الدرس الفلسفي في التعليم المغربي هو السؤال. هذا ما قاله المرحوم نور الدين الصايل عن بناء الدرس الفلسفي في التعليم المغربي ويضيف “إن الحاجة إلى فعل الفلسفة، لم يكن البتة دعوة إلى الدوغمائية أو إلى إيمان أعمى كيفما كانت طبيعته. بل كان مطلبا من مطالب اليقظة والعقل النقدي. والدولة هي التي أرادت أن تجعل من التعليم الفلسفي شيئا رائعا”.

جاء هذا في مقابلة مترجمة مع الصايل حول “تدريس الفلسفة في المغرب: بين دروس الماضي وتحديات المستقبل”. مقابلة أجراها عبد الله البلغيتي العلوي وسبق نشرها في مجلة “الأزمنة الحديثة”، العدد 15.

بداية تحدث الصايل عن تدريس الفلسفة باللغة الفرنسية في المغرب بين 1967 و1973 ثم عن صدور قرار تدريسها بالعربية وأخيرا إخضاع مراقبة تدريس الفلسفة لأشخاص دوغمائيين.

بعد هذا الإيجاز للمراحل يضيف الصايل “لقد كنا ندعم آنذاك تدريس الفلسفة بالاعتماد على النصوص… إضافة إلى اقتراح نصوص قادرة، بشكل مباشر، على وضع التلاميذ في سياق الدرس وتقريبهم من تيمته.

مقارنة النصوص ومساءلتها على صعيدي المنهج والموضوع.

كانت اختياراتنا البيداغوجية ذات نزعة إبستمولوجية، تلتقط ما هو إشكالي، تحتفي بالمحتوى الجدلي الذي يشكل ماهية الفلسفة. هذه هي العناصر الحيوية في الفلسفة – مواكبة فلسفة حية، فلسفة في تطور تطرح أسئلة، تغتني بالشك.

يضيف الصايل أن الوضع تغير عندما صعد الوزير الاستقلالي عز الدين العراقي إلى منصب وزير التعليم في 1977 تراجع الوضع صار التعليم الفلسفي معربا لاهوتيا.

“قرر وزير التعليم الجديد أن تستبعد الفلسفة من كل ما هو إشكالي؛ ما يعني تجريدها من كل العناصر الحيوية التي تحتاجها وتقوم عليها الفلسفة”.

تم تعديل الاختيار البيداغوجي وحصل تراجع عن النهج الYبستيمولوجي الذي يحض على التساؤل، يشرح الصايل:

“أظن أن التعليم الفلسفي في المغرب دخل في نوبة خمول طويلة الأمد. لقد كان لقرار 1983، القاضي بعدم تدريس الفلسفة بالطريقة التي كانت تدرس بها في التعليم الثانوي، أن أثر سلبا على الجامعة. والأكثر من هذا أنني أدركت في ما بعد أن التعليم الفلسفي أقصي تماما وعاش سنوات عجاف”.

كما لا يخفى عليكم أن أناسا، لأنهم لا يتوفرون على وسائل لممارسة التفكير العقلاني، يتحولون إلى دوغمائيين. مهما كان مستوى هذا الفكر الدوغمائي، ستبقى كل المستويات دوغمائية، بمعنى آخر، تبسيطية وتمارس القتل أحيانا، على الأقل، فهي تغتال الفكر الحر المشبع بالأسئلة.

كيف؟

تم المزج بين الفلسفة والفكر الإسلامي وتمت أسلمة ابن رشد. وفي هذا صدى حصل لقرينه توما الأكويني. لقد مجد المقرر توما الأكويني الذي كان ضد مذهب الشك الإبستيمولوجي والذي نصّر أرسطو. (غنار سكيربك ونلزغيلجي: تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة إلى القرن العشرين. ترجمة حيدر حاج اسماعيل المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى بيروت 2012 ص 287 وص 275).

هذا ما فعله المسؤولون عن تعريب الفلسفة في المغرب منذ 1973. لقد مجد المقرر التعليمي الفلسفي المغربي جواب الفارابي الذي أكد أن ما يوجد في الملة لا يختلف عما هو في الفلسفة، لأنهما معا يستهدفان الحق. والحق لا يضاد الحق.

وقد كان هذا مقصودا ونسقيا، يذكر الصايل أنه قد تم إغلاق معهد السوسيولوجيا في 1970 ثم عربت الفلسفة وبعدها خضع تدريسها لوصاية لاهوتية.

يستخلص الصايل: هكذا تجرعت الفلسفة في الثمانينيات، ما تجرعه علم الاجتماع، في السبعينيات. تم تقليل الأسئلة وإكثار الأجوبة التي حفظها الكثيرون.

كانت نقطة الوصول للدرس الفلسفي بعيدة عن كل ما توقعته نقطة الانطلاق.

هكذا قدم الصايل لحظات أساسية من تطور التاريخ الثقافي المغربي الحديث، لحظات موثقة ترصد تطور الدرس الفلسفي في المغرب. وقد كانت لها تبعات في إعادة توجيه ثقافية واجتماعية هائلة.

كان لتحول التعليم الفلسفي أثر على المشهد المغربي ثقافيا واجتماعيا، ليس صدفة أنه في بداية القرن الواحد والعشرين، صار طلبة كليات العلوم ومعاهد المهندسين يحتفون بالفقهاء الجدد وصار المهندسون والأطباء يتعالجون بالحجامة والرقية الشرعية.