أن يبيع فلاح صغير في قرية نائية بالمغرب محصوله الزراعي بنقرة واحدة على هاتفه الذكي، فذلك أمر كان بعيد المنال، إن لم يكن مستحيلا وضربا من ضروب الخيال.
كان أغلب الفلاحين، إلى وقت غير بعيد، يضطرون أمام مشاكل التسويق وتعقيداته، إلى الرضوخ لشروط البيع التي يفرضها السماسرة والمضاربون، خوفا على بضاعتهم أن تبور، ويضيع معها مجهود موسم كامل من العمل المتواصل والمتعب في مراقبة زراعاتهم ورعاية مواشيهم. لكن هذا الخوف بدأ يتبدد في الآونة الأخيرة مع انطلاق منصة T@swiq للربط بالأسواق، التي أطلقها، أخيرا، المكتب الشريف للفوسفاط في إطار توسيع عرضه الرقمي لفائدة الفلاحين، وهو تطبيق هاتفي جديد أشرف على تصميمه طلبة مغاربة من مدرسة 1337، من أجل تسهيل تسويق المنتوجات والخدمات الفلاحية.
عزيز سكوري، واحد من المئات من الفلاحين، الذين اكتشفوا فوائد هذا التطبيق الجديد، وعاشوا تجربة التسويق لأول مرة من خلال هذه المنصة الرقمية، التي باتت متوفرة للجميع وبالمجان على تطبيق «غوغل بلاي ستور».
سكوري حكى أمام عدد من الصحافيين، من أمام منزله بقرية جمعة عين عرمة، بإقليم مكناس، كيف استطاع في وقت وجيز التكيف مع الاستخدامات المتعددة للتطبيق الجديد، وكيف بدأ أخيرا في جني ثمار البيع بنقرة واحدة على هاتفه المحمول، دون الحاجة إلى التنقل ببضاعته إلى الأسواق البعيدة، حيث لا تحظى في الغالب بالتقييم المناسب من طرف الوسطاء والمضاربين. وقال سكوري وهو يتحدث لـ» الصحراء المغربية» بعفوية لا تكلف فيها «أنا فرح جدا أنني بعت جزءا من محصولي عن طريق التطبيق الجديد، والشخص الذي اشترى مني يوجد في سوس، بعيدا عن قريتي بالمئات من الكيلومترات»، مضيفا بنبرة لا تخلو من السعادة والاعتزاز بنجاحه في أول تجربة للبيع عن بعد، أن تصريف منتوجه بهذه الطريقة وفر عليه الجهد ومصاريف النقل، وجنبه، بالخصوص، التعامل مع سماسرة الأسواق الأسبوعية.
وتضمنت هذه العملية، التي تمت منذ عشرة أيام، عبر منصة «تسويق»، كما كشف لنا عزيز سكوري، ما مجموعه 80 قنطارا من القمح، و5000 قطعة من التبن، وحوالي 800 قطعة من «الفوراج»، و20 رأسا من الأغنام.. وتراوحت الأثمان بين 25 درهما للقطعة الواحدة من التبن، و50 درهما للقطعة بالنسبة للفوراج، بينما حصل، بخصوص منتوج القمح، على 450 درهما للقنطار الواحد، وبين 1500 و3000 درهم للرأس بالنسبة لأكباش عيد الأضحى، وهي حصيلة «مشجعة جدا»، وفق عزيز سكوري، بالمقارنة مع ما كان سيحصل عليه لو باع المنتوج نفسه للوسطاء. وقال في هذا الصدد «إن عملية البيع عبر الانترنت مكنتني من الحصول على أرباح إضافية توازي حوالي 30 في المائة».
المهندس أشرف نجوم، المنسق الجهوي لمبادرة «OCP المُثمر» بمنطقة سايس، اعتبر أن سكوري واحدا من الفلاحين الذين يستوفون الشروط المثالية لتحقيق النجاح الذي من أجله تم تصميم منصة «تسويق»، فهو بالأساس مزارع شاب، يبلغ حوالي 35 ربيعا، ومُتعلم، درس إلى حدود التاسعة إعدادي، وفلاح صغير، لا تتعدى المساحة التي يستغلها 3 هكتارات.
وأوضح نجوم لـ»الصحراء المغربية» أن منصة T@swiq للربط بالأسواق تهدف إلى ضمان انفتاح الفلاحين الصغار على أسواق أوسع، وتشجيع المسارات القصيرة للتوريد، وتسهيل تسويق المنتوجات والخدمات الفلاحية بدون وسيط، مضيفا أن هذا التطبيق يمَكن أيضا من ربط جميع المشترين المحتملين، لاسيما بين الفلاح والفضاءات الكبرى، ومعامل الصناعة الغذائية، ومع سلاسل الفنادق والمطاعم. وقال أشرف نجوم، بصفته المهندس الزراعي الذي واكب تكوين الفلاحين الشباب بمنطقة السايس من أجل استخدام تقنيات البيع والشراء عبر المنصة الرقمية «تسويق»، إن التطبيق الجديد يُعد الأول من نوعه على المستوى الإفريقي، وهو يضم في مرحلته الأولى 6 خدمات تشغيلية.
ويتعلق الأمر ببيع وشراء المنتجات الفلاحية الخام، وبيع وشراء الزيوت والمنتجات الفلاحية المعالجة نسبيا، وكراء وبيع الأراضي الفلاحية، وبيع المواشي، وبيع أعلاف الماشية، وبيع وشراء الشتلات والمدخلات الفلاحية، التي تمكن أصحاب المشاتل من توفير الشتلات والبذور المعتمدة للزبناء.
وبذلك، فإن هذه الخدمة الرقمية تشكل، حسب المهندس المذكور، حلا بسيطا وسريعا للزبناء الباحثين عن منتوجات عالية الجودة دون وسطاء.
نجاح تجربة عزيز سكوري، الفلاح الذي حصل على أرباح مذهلة منذ استخدامه لتطبيق «تسويق»، فتح شهية العديد من جيرانه الفلاحين، بمنطقة عين عرمة، التي تبعد عن مدينة مكناس بحوالي 20 كيلومترا، للانخراط في هذا التطبيق الجديد، ومن بينهم زوجته التهامية الصغير، التي لم تخف رغبتها، أمام عدسات المصورين، في تسجيل اسمها قريبا ضمن المنخرطين في التطبيق، لتتمكن هي أيضا من بيع منتجاتها من تربية الأرانب والدجاج، دون الحاجة للتنقل إلى الأسواق أو التعامل مع الوسطاء.
