مع حلول فصل الشتاء، تزداد معاناة سكان قبائل المناطق الجبلية بالأطلس المتوسط، التي تتمركز في أعالي الجبل مع قساوة الطبيعة، خصوصا تساقطات الثلوج وبداية موجات الصقيع، التي تنخر أجساد النساء الحوامل والأطفال وكبار السن.
قبائل تعيش في ظروف بالغة القساوة في مناطق غابوية تشكل جزءا من محيطهم الطبيعي. ودأبت هذه القبائل الأمازيغية، طيلة عصور، على العيش بهذه المناطق رغم الأوضاع المزرية، إذ عملت جاهدة للحفاظ على تقاليدها ونمط عيشها لكسب قوتها وسط طبيعة قاسية وشديدة البرودة.
الاستعداد للبرد
يتطلب التصدي لموجات الصقيع، من المواطنين في جبال الأطلس إمكانيات مادية ولوجيستيكية مهمة حتى يتمكنوا رفقة ماشيتهم من الاستمرار في الحياة اليومية، لذلك فمحاربة البرد تبقى من أولوياتهم، ويتم الاستعداد له بشكل مسؤول للخروج بأقل الخسائر، التي تسببها الزوابع الثلجية.
ووصلت درجة البرودة، بداية الشهر الحالي بهذه المناطق، ما بين سبع وتسع درجات تحت الصفر.
وتتأثر جل المناطق، خصوصا تلك المتمركزة على علو أكثر من 1400 متر فوق سطح البحر، خلال فصل الشتاء، جراء البرد القارس، ما يدفع القبائل إلى النزوح في اتجاه “أزغار”، حيث أراضي الجموع أو الأراضي المشتركة بين القبائل، للاستقرار بها تفاديا للخسائر في أعلى الجبل، حيث يتسبب الصقيع في نفوق الماشية، وفي بعض الأحيان، وفاة الإنسان.
إنها قبائل تدخل في نظام الترحال السنوي، حيث تقيم شتاء في “أزغار”، أي الأراضي الموجودة على منخفضات جبال الأطلس المتوسط، وتعود صيفا إلى المرتفعات، حيث يكثر الكلأ بعد ذوبان الثلوج، ما يعني أن هناك مجالين لنفوذ القبلية، واحد في الجبل والآخر في السهل أو (أزغار بالأمازيغية).
ويُفهم من هذا الترحال، الرغبة في الاحتفاظ بعمق استراتيجي داخل الجبال قصد الحماية وضمان المؤونة والكلأ للماشية التي تشكل النشاط الفلاحي الأساسي والأكثر انتشارا بين قبائل الأطلس المتوسط.
الارتباط بالأرض
القبيلة كيان متحرك، يقول أحد الأساتذة الباحثين، يحب الترحال، ويرفض الخضوع غير المتفاوض عليه. ويضيف الأستاذ الباحث أن انتقال القبيلة الدائم بين الجبل و”أزغار” يوفر له مساحة زمنية كافية لتدبير وجوده والاكتفاء بذاته، ولا يسمح لأي فرد من القبيلة أن ينغلق في وجه الاختراقات الفوقية، موضحا أن هناك وعيا ذاتيا لدى القبائل بالأطلس المتوسط، وبالخصوص قبائل زيان، إنه وعي راسخ، متجدد، مرتبط بالتاريخ، وبالهوية، وبالأرض.
ويمكن تفسير ذلك بالرغبة في الحفاظ على الملكية وحمايتها من أية سيطرة. وهنا تغدو ملكية الأرض هدفا ساميا، لأنها المكان الذي تمتد فيه القبلية وتعيد إنتاج وجودها وما يرتبط به من قيم ومبادئ ورموز، لذلك تتدخل الدولة لفك هذه النزاعات عبر تنظيم الاستغلال القانوني لهذه الأراضي المشتركة بين القبائل خلال فترات الحرث والانتجاع.
صراع حول الارض
كانت هذه القبائل الزيانية بالأطلس المتوسط، يضيف الأستاذ الباحث، تمارس الرعي في (أزغار) حسب المساحات المقسمة لكل قبيلة منذ القدم، وكان شيخ المرعى هو الإطار المسؤول عن احترام هذا التوزيع، حيث كانت مهامه تنحصر في وضع مخطط للرعي والانتجاع، حسب حاجات القبائل ومدة إقامتها. وعندما يشعر بخطورة نفاد الكلأ قبل نموه الطبيعي، كان يعلن إغلاق المراعي المشتركة، وهي ظاهرة علمية قريبة من مفهوم الراحة البيولوجية.
ولم ينحصر الصراع، يسترسل المصدر ذاته، حول ملكية هذه الأراضي في منطقة “أزغار”، بل امتد لهيبها لأراضي جموع أخرى بالجبل، حيث ينتشر الانتجاع في فصل الصيف، وتمحور الصراع حول الأراضي القريبة من المياه، كالأراضي المجاورة للعيون والبحيرات.
وتتدخل الدولة، في حالة النزاعات، لإرجاع الأمور إلى نصابها بفرض حضورها المادي والمعنوي وإشعار القبائل أن المشترك هو في العمق ملك للدولة ولا مجال للتصارع حوله.
الاستقرار بالجبل
البقاء والاستقرار بالمناطق الجبلية في فصل الشتاء، حسب معاينة لأحوال القرويين، قرار تتخذه شريحة واسعة من المواطنين، وفي نظر البعض منهم، فهي مغامرة وتتطلب استعدادات جدية لمواجهة آثار التقلبات المناخية والمعروفة بقساوتها الشديدة بالجبل.
وتبدأ هذه الاستعدادات، حسب تصريحات عدد من الرحل، بتوفير كميات كبيرة من المواد الغذائية للإنسان، وكميات أخرى من الأعلاف لضمان عيش الماشية، لأن جل المراعي تكون مكسوة بالثلوج التي تغطي البساط النباتي، الذي يعتبر المورد الأساسي للماشية، استعدادا لصقيع وثلوج هذا الموسم الشتوي. يقول (أ.م)، من رحل منطقة أجدير الجبلية، “زودت عائلتي بثماني قنينات غاز من الحجم الصغيرة، وقنينتين من الحجم الكبير وثلاثين قالب سكر وعشرة لترات من الزيت، وكيلوغرامين من الشاي، إلى جانب ستة أكياس من فئة مائة كيلوغرام من الدقيق، وكميات كبيرة من مختلف الخضر والقطنيات، بالإضافة إلى عدد من “فتائل الإنارة”، وغيرها من المواد الضرورية الأخرى”.
أما بالنسبة لمستلزمات الماشية، يضيف المصدر نفسه، “فقد اقتنيت أكثر من أربعين مكعبا للتبن وأزيد من قنطار من الشعير لضمان الكلأ لماشيتي”.
ووفق ما أكده فاعلون ومهتمون مرتبطون بهذا المجال، فإن الانتقال من حالة الترحال إلى حالة الاستقرار سييؤدي إلى تراجع خطير.
