النهار المغربية – عبد اللطيف بركة
في أجواء مشحونة بالنقاش والتجاذب، طوت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب واحدة من أكثر الجلسات سخونة، بعدما استغرقت أزيد من ثماني ساعات متواصلة لحسم مئات التعديلات المرتبطة بمشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة. جلسة ثقيلة بالأرقام والرهانات، انتهت بالمصادقة على النص المعدل بأغلبية واضحة، واضعة بذلك لبنة جديدة في مسار إعادة ترتيب بيت الدفاع.
المشروع، الذي خضع لـ502 تعديلًا من طرف مكونات الأغلبية والمعارضة، لم يخرج كما دخل. فقد أعادت اللجنة رسم ملامح الولوج إلى المهنة، برفع سقف السن إلى 45 سنة، في خطوة تُفهم على أنها محاولة لفتح الباب أمام كفاءات ظلت خارج السباق، مقابل تشديد غير مسبوق على معايير النزاهة، حيث لم يعد مجرد رد الاعتبار كافيًا في قضايا الأموال والتزوير، ما يعكس توجهاً نحو “تنقية” المهنة من أي شبهة.
وفي قلب الإصلاح، برزت إرادة واضحة لإعادة هيكلة التكوين، عبر اعتماد مسار جديد داخل المعهد يمنح صفة “طالب” لمدة سنة كاملة قبل نيل شهادة الكفاءة، مع تمديد مهلة التسجيل في جدول التمرين، في محاولة لتقليص الضغط الزمني وتحسين جودة التأهيل. كما تم تثبيت دور وزارة العدل في تنظيم مباراة الولوج، بما يعزز مركزية الإشراف على هذه المرحلة الحاسمة.
ولم تغفل التعديلات فئة الأساتذة الجامعيين، حيث جرى توسيع شروط الإعفاء لفائدتهم، بشكل يعكس اعترافًا بخبرتهم الأكاديمية، مع حذف قيود عمرية كانت تُعتبر مجحفة. في المقابل، شدد النص على ضبط علاقة المحامين الأجانب بالمهنة داخل المغرب، من خلال إخضاعهم لمساطر دقيقة، أبرزها ضرورة تسجيلهم في لوائح مستقلة وعرض عقود التعاون على الهيئات المختصة.
المشروع لم يقف عند حدود الولوج والتكوين، بل امتد ليشمل توسيع مهام المحامي لتشمل مجالات جديدة، من بينها الوساطة في المهن الرياضية والفنية، في إشارة إلى انفتاح المهنة على تحولات السوق والخدمات القانونية الحديثة. كما تم إقرار إلزامية التوثيق الكتابي للعلاقات المهنية، بما يعزز الشفافية ويحمي حقوق الأطراف.
وفي الجانب التأديبي، حمل النص نفسًا صارمًا، عبر إرساء نظام يميز بين طالب المعهد والمحامي المتمرن، مع إحداث آليات جديدة للتحقيق والتأديب، تضمن حقوق الدفاع وتؤطر المسطرة بضمانات زمنية واضحة، في خطوة تهدف إلى تحقيق التوازن بين الصرامة والعدالة.
أما على مستوى تدبير الهيئات، فقد تم اعتماد نظام انتخابي جديد قائم على التمثيل النسبي وفق الأقدمية، بما يضمن توزيعًا أكثر توازنًا داخل المجالس، مع تحديد مدة انتداب النقيب في ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد، في محاولة لضخ دماء جديدة وتفادي احتكار المواقع. كما تم تعزيز حضور النساء عبر آلية تفضيلية في حالة تساوي الأصوات، في إشارة إلى توجه نحو تمثيلية أكثر إنصافًا.
بهذه التعديلات، يبدو أن مشروع قانون المحاماة لم يعد مجرد نص تنظيمي، بل تحول إلى ورش إصلاحي متكامل، يسعى لإعادة تعريف المهنة بين مقتضيات الأخلاقيات، وتحديات الانفتاح، وضغوط التحول الرقمي، في انتظار ما ستسفر عنه باقي مراحل التشريع داخل البرلمان.
