تايوان في قلب المساومات الكبرى… ماذا حملت زيارة ترامب إلى بكين؟

حجم الخط:

النهار المغربية – عبد اللطيف بركة

في لحظة دولية مشحونة بالتوترات الجيوسياسية، حطّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رحاله في العاصمة الصينية بكين، في زيارة رسمية تمتد من (13–15 ماي الجاري) وُصفت بأنها من بين الأكثر حساسية في مسار العلاقات الأمريكية-الصينية.

وبينما تصدرت ملفات التجارة والتكنولوجيا والحرب في الشرق الأوسط جدول الأعمال، برز ملف تايوان كالعنوان الأبرز، بل كـ”العقدة المركزية” التي تختزل عمق الصراع بين القوتين.

منذ سنوات، تمثل تايوان نقطة احتكاك حادة بين واشنطن وبكين. فالصين تعتبر الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وتتعهد بإعادتها بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك القوة إن لزم الأمر. في المقابل، تواصل الولايات المتحدة دعمها العسكري والسياسي لتايبيه، في إطار سياسة “الغموض الاستراتيجي”، دون الاعتراف الرسمي باستقلالها. هذا التوازن الهش جعل من تايوان ملفاً قابلاً للاشتعال في أي لحظة.

خلال زيارة ترامب، لم يكن هذا الملف مجرد بند ضمن جدول الأعمال، بل تحوّل إلى ورقة تفاوضية ثقيلة، فقد جاءت القمة في ظل تصاعد التوتر بسبب صفقات تسليح أمريكية حديثة لتايوان، وهو ما اعتبرته بكين استفزازاً مباشراً وتدخلاً في شؤونها الداخلية.

ووفق معطيات متقاطعة، ضغطت القيادة الصينية بقوة على الإدارة الأمريكية من أجل كبح هذا الدعم العسكري، أو على الأقل تقليصه، في مقابل مرونة صينية محتملة في ملفات اقتصادية وتجارية.

المثير في هذه الزيارة هو الطابع “الصفقاتي” الذي طبع مقاربة إدارة ترامب. فبدلاً من التشبث بمواقف جامدة، بدا واضحاً أن واشنطن مستعدة لفتح قنوات تفاوض مرنة، حيث لم تعد تايوان مجرد قضية سيادة أو التزام أخلاقي، بل تحوّلت إلى عنصر ضمن لعبة توازنات أوسع تشمل الرسوم الجمركية، وسلاسل التوريد، والتنافس في مجال الذكاء الاصطناعي.

في هذا السياق، تكتسب تايوان أهمية مضاعفة، ليس فقط بسبب موقعها الجيوسياسي، ولكن أيضاً باعتبارها القلب النابض لصناعة أشباه الموصلات في العالم. هذه الصناعة الحيوية، التي تُعد عصب الاقتصاد الرقمي العالمي، تجعل من الجزيرة هدفاً استراتيجياً لا يمكن لأي من القوتين التفريط فيه. فبالنسبة لواشنطن، تمثل تايوان خط دفاع أول عن تفوقها التكنولوجي، بينما تراها بكين مفتاحاً للتحرر من الهيمنة الغربية في هذا المجال.

ورغم حساسية الملف، لم تسفر القمة عن أي اتفاق رسمي بخصوص تايوان. غير أن ما تحقق فعلياً هو تجنب التصعيد، وفتح قنوات حوار جديدة لضبط التوتر. فالصين أكدت مجدداً أن تايوان “خط أحمر”، بينما حافظت الولايات المتحدة على دعمها دون الإعلان عن خطوات تصعيدية جديدة، هذا التوازن يعكس واقعاً معقدا، لا أحد مستعد للتراجع، لكن الجميع يدرك كلفة المواجهة.

قراءة أعمق لمخرجات الزيارة تكشف أن العالم يتجه نحو مرحلة “إدارة الأزمات” بدل حلها. فواشنطن وبكين لا تسعيان إلى حسم الصراع، بل إلى التحكم في إيقاعه، بما يمنع الانزلاق نحو مواجهة مباشرة قد تكون كارثية على الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي.

و تؤكد زيارة ترامب إلى بكين أن تايوان لم تعد مجرد جزيرة متنازع عليها، بل تحوّلت إلى محور صراع عالمي متعدد الأبعاد، تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، والتكنولوجيا بالجغرافيا. وبين رغبة الصين في استعادة ما تعتبره “وحدة ترابية”، وإصرار الولايات المتحدة على حماية توازن القوى في آسيا، تبقى تايوان على صفيح ساخن… والعالم كله في حالة ترقب.