النهار المغربية – أحمد المساعد
بوجوه لفحتها الشمس وغبار الأسواق الذي لا يهدأ، يرتفع صوت الفلاح والوسيط الصغير (الشناق) في أسواق الماشية المغربية، ليس فقط للمساومة على الثمن، بل للدفاع عن “مهنة” أصبحت اليوم في قفص الاتهام. فبينما يشتكي المستهلك من اشتعال أسعار الأضاحي، يكشف المهنيون عن واقع مرير يطبعه الخسارة، وغلاء المواد العلفية، ومخططات لـ “تطويع” السوق.
خلافاً للصورة النمطية التي ترسم “الشناق” كصياد للفرص يراكم الأرباح على حساب المواطن، ينقل لنا أحد المهنيين من قلب سوق سيدي يحي بوجدة، صورة مغايرة تماما، يقول بمرارة: “الشناق مسكين يدي 5000 فرنك أو 10000، وفي بعض الأحيان يشترك 10 أشخاص في خروف واحد، ليخرجوا بربح لا يتعدى 2000 أو 3000 فرنك لكل واحد منهم”.
ويضيف المتحدث أن هؤلاء الوسطاء الصغار غالبا ما يجدون أنفسهم مضطرين للبيع بخسارة لتوفير السيولة للفلاحين الذين يطالبون بمستحقاتهم فورا “نحن هنا تحت الشمس والغبار، وفي الأخير يرمى علينا لوم الغلاء”.
في رده على الأقاويل التي تدعي أن وفرة الأمطار (الربيع) والدعم الحكومي يجب أن يخفضا الأسعار، يوضح أحد الكسابة أن أضحية هذا العام “واجدة بالعلف” وليس بالكلأ الطبيعي.
ثمن النخالة: قفز من مستويات سابقة إلى 70 درهما.
الفصة والخرطال: وصلت أسعارهما إلى أرقام قياسية (ما بين 9000 و10000 فرنك للقنطار/الحزمة حسب لغة السوق).
ويؤكد أن تأثير الربيع والدعم لن يظهر إلا في الموسم المقبل، أما خروف العيد الحالي فقد استنزف ميزانيات كبرى في التسمين بالعلف المركز، مما يجعل خفض الثمن “انتحارا ماليا” للكساب.
و من داخل السوق اثيرت نقطة مثيرة للجدل تتعلق بدعوات مقاطعة العيد. وحسب تصريحات المهنيين، فإن “الميسورين” هم من يروجون للمقاطعة، بينما يصر “البوفري” (المسكين) على إدخال الفرحة لبيته ولو بالاستدانة “الذي يملك المال يأكل اللحم طوال السنة ويدعو للمقاطعة، أما الفقير فينتظر هذه المناسبة ليفرح أبناءه”، يقول أحد الباعة، مشيرا إلى أن العرض موجود ومتنوع؛ حيث تبدأ الأسعار من 2800 درهم وتصل إلى 4500 درهم للأصناف الممتازة.
وكشف الكسابة و “البياعة” عن وجود محاولات من بعض كبار “السبايبية” أو المشترين للضغط على السوق عبر الامتناع عن الشراء في الأيام الأولى، بهدف دفع الفلاح “المتعب من الشمس والمصاريف” لخفض الثمن في اللحظات الأخيرة. وهي استراتيجية تزيد من تأزيم وضعية الفلاح الصغير الذي يجد نفسه بين نار المصاريف اليومية للماشية ونار الركود المفتعل.
رغم كل التحديات، يظل التفاؤل سيد الموقف في الأسواق. يؤكد المهنيون أن “الخير موجود” وأن الأسابيع القادمة قد تشهد نوعا من الاستقرار في الأثمان، مع دعوات بضرورة الكف عن شيطنة “الشناق” الصغير وفهم الإكراهات الحقيقية التي تواجه قطاع تربية الماشية في ظل الجفاف وغلاء الأسواق العالمية.
