الصرامة في تطبيق إلزامية الإدلاء بـ”جواز التلقيح”.. “مهلة إضافية”

الصرامة في تطبيق إلزامية الإدلاء بـ"جواز التلقيح".. "مهلة إضافية"
حجم الخط:

من يقف على طريقة تنزيل المقاربة الوقائية الجديدة، المعتمدة على «جواز التلقيح» كوثيقة أساسية للتنقل وولوج الأماكن العمومية، يلاحظ حاليا أن هذه العملية ما زالت تتسم بشيء من «المرونة»، وكأن الاتجاه يسير نحو فسح المجال لحملات التحسيس والتوعية، في ما يشبه «مهلة إضافية»، للاضطلاع بالدور المنوط بها والمتمثل في العمل على إقناع فئات أوسع من المواطنين بالإقبال على مراكز التطعيم لأخذ جرعاتهم، قبل الانتقال إلى الصرامة في تفعيل هذا القرار الحكومي.

وهو ما تبرزه بوضوح جولة في عدد من هذه الفضاءات بالعاصمة الاقتصادية. فخلال ترددنا عليها، في نهاية الأسبوع، رصدت «الصحراء المغربية»، استمرار التأرجح بين التشدد في اعتماد هذه الوثيقة الصحية كشرط أساسي للولوج وبين من يواصل التعامل مع هذا الإجراء بليونة، في ظل أن حملات المراقبة ما زالت تغلب الشق التحسيسي أكثر من فرض عقوبات رادعة على المخالفين.

ويلمس أثر هذه الليونة أكثر في الشارع، حيث تعددت مظاهر التوعية بضرورة الانخراط في الحملة الوطنية للتلقيح حتى تبلغ المملكة المناعة الجماعية المنشودة الممهدة للعودة التدريجية للحياة الطبيعية، وذلك دون الخوض في ما إذا كان المخاطب يتوفر على «جواز التلقيح» أم لا أو مطالبته بتقديمه.

ويترافق هذا الأسلوب في تعبيد الطريق أمام المقاربة الوقائية لشق مسارها نحو الإلزامية المعممة التفعيل، مع توسع مساحات النقاش العمومي حول هذا الموضوع، لتشهد، يوما بعد آخر، تدافعا أكثر في المواقف المتدفقة بزخم في أجواء منفتحة على جميع مكونات المجتمع. فكما كان القرار الحكومي محط تفاعل مجتمعي وحقوقي وجمعوي من مدافعين عن الخطوة ومعارضين لها، امتد الجدل المثار بشأنه إلى المشهد السياسي.

وتجلى هذا الحضور في خرجات تباينت فيها المواقف المعبر عنها، وصدرت آخرها عن نبيل بنعبد الله، الأمين العام للتقدم والاشتركية، الذي أكد، في كلمته خلال الدورة الثامنة للجنة المركزية للتقدم والاشتراكية، صباح أول أمس السبت، أن الحكومة الحالية «تسرعت» في فرض «جواز التلقيح»، معتبرا اعتماده «بغض النظر عما يطرحه من نقاش قانوني، كان يجب أن يسبقه نقاش وتواصل وتفسير، وأخذا بعين الاعتبار للحالات الخاصة، وإتاحة الوقت الكافي أمام المواطنين ليستعدوا من أجل التعامل السلس مع هذا الإجراء».

غير أنه وسط أجواء هذا «التدافع الصحي» كانت هناك خرجات لا تسترعي فقط الانتباه، بل وتثير الكثير من التساؤلات عن منطلقها. والحديث هنا عن «الدعوات الفيسبوكية» التي تطالب المغاربة بالاحتجاج ضد القرار الحكومي.

فلا أحد يجادل بالحق في الاحتجاج السلمي بما لا يقوض أو يهدد الأمن العمومي، لكن ما يبعث على الريبة في منطلق هذه الدعوات هو التوصيف الذي أعطي للوثيقة الصحية في مجموعة من هذه الخرجات، وتوظيف عبارات ذات حمولة شاحنة بخلفيات سياسية، مع إقحام مواضيع بعيدة عن «الإلزامية» وتحريض «الإلتراس» وفصائل المشجعين، سعيا للاحتقان الاجتماعي المنشود.. والأكثر من ذلك إسدال المسحة الدينية على بعض هذه الإعلانات.

وفي تعليق على هذا السعي لإذكاء تدافع يجهل السياق والمبتغى منه وما قد يكون وراءه من «دوافع خفية»، أكد إدريس قصوري، المحلل السياسي والأستاذ الجامعي، أن «الركوب على هذا الحدث كان منتظرا وليس مفاجئا»، مشيرا إلى أنه يجب الحرص «لأن هناك من سينتظر في المنعطف لمثل اللحظات التي عايناها في التظاهرات لحد الآن، ويحاول أن يفعلها ويوجهها في الاتجاه الذي يريده هو». وأضاف إدريس قصوري، في تصريح لـ «الصحراء المغربية»، «في السياسة دائما هناك من هو مع ومن هو ضد، وفئة ثالثة تبحث عن اغتنام الفرص»، مبرزا أن «الحكومة يجب أن تتعامل مع هذا التمرين بذكاء».

رشيد لزرق، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، شاطر قصوري القراءة نفسها. وقال، في تصريح لـ «الصحراء المغربية»، «المتاجرون بحقوق الإنسان يحاولون التغطية على أي نشاط من خلال رفع مطالب سياسية، وهي أجندات نعلم جميعا من تخدم إقليميا».

وزاد الخبير الدستوري موضحا «المغرب أكد دائما أنه سيواجه هذه المؤامرات من خلال إعمال الخيار الديمقراطي. ومن نراهم يزايدون على المملكة في أي مناسبة، يوظفون أي حدث للتعبير عن مكبوتاتهم الإيديولوجية أكثر من التعبير عن مطالب حقوقية».

وأضاف «جواز التلقيح قضية تمت المبالغة فيها.. وأصحاب الأجندات المعينة يستغلون أي تدافع اجتماعي للتعبير عن مكبوتات إيديولوجية وذلك بتسييسه».

وكان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أشاد، في بلاغ صحفي صادر عن اجتماع لمجلس الحكومة، بالدور الكبير الذي يقوم به المواطنون، وبالروح الوطنية التي أبانوا عنها وانخراطهم القوي في الحملة الوطنية للتلقيح، مبرزا أن التطعيم يظل الوسيلة الوحيدة التي أثبتت فعاليتها في التصدي لجائحة (كوفيد- 19).