شهدت الكلية المتعددة التخصصات بآسفي، نهاية الاسبوع الماضي، مناقشة أطروحة للدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية تقدم بها الباحث الهومات ياسين في موضوع “ملاءمة التشريع المغربي مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان: مقاربة منهجية لحدود قواعد السيادة وتأثير النظام المعياري الدولي”.
واشتغل عليها بمركز دراسات الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية ضمن مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات والسياسات بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة القاضي عياض بمراكش.
وبعد مناقشة الأطروحة من قبل أعضاء لجنة المناقشة التي ترأسها الدكتورادريس لكريني رئيس المختبر وأستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش، قررت اللجنة قبول الدكتوراه، ومنح الطالب شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا مع التوصية بالنشر.
ومن بين أهم الخلاصات والاستنتاجات التي خلص إليها الباحث هي أن مسألة إلزامية القانون الدولي لحقوق الإنسان، تبقى في مواجهة مجموعة من الصعوبات والعراقيل التي من شأنها أن تحد من فعاليتها داخل التشريعات الوطنية، خاصة إذا تم استحضار إشكالية القيود التي تفرضها مسألة السيادة التي تحوزها الدول، وهي الصعوبات التي تتوزع بين تلك التي تكتسي طابعا تقنيا، وتلك التي تكتسي طابعا سياسيا.
كما توقفت الأطروحة عند إشكالات أخرى، تتعلق إما بالصياغة أو بالتفسير، والتي ماتزال قائمة رغم الجهود التي بذلها واضعوا الترسانة القانونية الدولية، حتى تكون صياغتها خالية من الغموض، وهو ما يرجح كفة التيارات الساعية لانتقاد هذه الوثائق الدولية، على اعتبار أن هذه العملية اعترتها بعض الثغرات، والتي تتراوح بين إغفال التنصيص عن بعض الحقوق أحيانا، وبين عدم الدقة، شكلا ومضمونا،في أحيان أخرى.
ينضاف إلى ذلك، مجموعة أخرى من المآخذ والعيوب المثارة بشأن عمل منظمة الأمم المتحدة في حد ذاتها، على نحو قد يحد من فعالية دور الأجهزة والمؤسسات التابعة لها، وهو ما يظهر من خلال تزايد كثرة التحفظات التي تبديها الدول اتجاه الوثائق الدولية، الأمر الذي يؤثر في وحدتها والغرض المرجو منها، وهو ما يوضح بأن مبدأ السيادة قد يحد ويعترض فعالية القانون الدولي أحيانا، بل والأكثر من ذلك، أنه قد يكون أحيانا أخرى بمثابة وسيلة وذريعة تتخذها الدول للتهرب من التزاماتها الدولية، والابتعاد عن أية رقابة دولية، سيما في المجالات التي ترى أنها ستكون معنية بتجاوزات وانتهاكات حقوقية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الدول باتت مطالبة بالتخلي عن سيادتها لصالح الأحكام الدولية، بل على العكس من ذلك، فآلية التحفظات يجب أن تظل رهينة بالأهداف والغايات التي جاءت من أجلها، والتي لا يجب أن تخرج عن طابعها الجدي شكلا ومضمونا، وهو ما يتعين معه القول، بأن آلية التحفظات كانت وستبقى أحد أهم الصعوبات والعراقيل التي تواجه عملية إدماج المقتضيات الدولية ضمن التشريعات الوطنية.
ويرى الباحث بشأن إنفاذ القانون الدولي لحقوق الإنسان داخل التشريعات الوطنية، أن الأمر يتعلق أساسا بكون إلزامية هذا القانون تبقى مرتبطة بمدى جدية الدول في احترامه، أكثر مما هي مرتبطة بالآليات والوسائل الرقابية الدولية. وقياس هذه الجدية لا يمكن أن يتم إلا عبر ملامسة المكانة التي تحتلها المعايير والقواعد الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان ضمن خانة التشريع الوطني، إلى جانب التركيز على دور السلطة القضائية في هذا المجال، طالما أنها تعد من بين أهم السبل والآليات التي ترسي وتؤسس لإلزامية القاعدة الدولية، بل وتعتبر أكثر من ذلك، بمثابة صمام الأمان والضامن الأول والأخير لحقوق الإنسان والحريات العامة داخل أي بلد بالعالم، وهذا ما يفسر وجود مجموعة من الدول التي اختارت أن تظل بعيدة عن آليات الرقابة الدولية في موضوع حساس مثل حقوق الإنسان، فلا توقع ولا تصادق ولا تنضم إلى الاتفاقيات والمعاهدات، مفضلة أن تظل طليقة اليد في معاملة مواطنيها، حتى يتسنى لها “البطش” بهم دونما أي اعتبار لصكوك تقيدها وتفتح نافذة على ما يجري بداخلها.
وحول مجريات إعداد الأطروحة التي امتدت لحوالي سبع سنوات متواصلة، أفاد الباحث بأن دراسة إشكالية ملائمة التشريع الداخلي المغربي مع أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان، لم تكن قط بالأمر الهين أو السهل، بل على العكس من ذلك، فإن ما صادفه من تفريعات وأبعاد شمولية إبان محاولة الجواب عن الإشكالية المطروحة، كان له الأثر البالغ في التأكيد على أن الموضوع يبقى منفتحا على مجالات وتخصصات عديدة ومتنوعة. إلا أنه في المقابل، استطاع أن يخلص للقول فيما يتصل بالتجربة الحقوقية المغربية، أن ما بذله المغرب من جهود في مجال الملاءمة، يبقى على درجة كبيرة من الأهمية، على نحو يترجم نوعا من الجدية المطلوبة للنهوض بواقع المنظومة الحقوقية الوطنية والدفع بعجلتها نحو الأمام.
غير أن كل هذا، يبقى في حاجة إلى مزيد من العمل المستمر والدؤوب، إذا ما رغب المغرب في الارتقاء لمصاف الديمقراطيات الرائدة في مجال حماية حقوق الإنسان، أو على الأقل، حتى يستطيع تجاوز المثالب والعيوب التي تعتري الواقع الحقوقي الوطني الراهن. ليبقى التساؤل دائما مطروحا حول مستقبل حقوق الإنسان في ظل ما تشهده الساحة الدولية من تغيرات وتحولات متسارعة، ويخلص الباحث إلى تساؤل رئيس مفاده: هل سنكون مستقبلا أمام مغرب الحقوق والحريات الذي نسعى إليه؟ أم أن هاجس الخصوصيات الوطنية سيعيد إنتاج نفس الإشكالات المطروحة؟
