
تدفق السياح على القارة الأوروبية .. انتعاش اقتصادي يواجه استياءً شعبيًا
تشهد القارة الأوروبية هذا الصيف موسماً سياحياً استثنائياً، حيث تتدفق الملايين من الزوار على شواطئها ومدنها التاريخية، محققة أرقاماً قياسية في العائدات والإقامات الفندقية، لكن الصورة ليست وردية بالكامل، إذ يقابل هذا الازدهار الاقتصادي تزايد مظاهر التململ والاحتجاج لدى السكان المحليين الذين يعانون من الاكتظاظ وارتفاع تكاليف المعيشة وضغوط البنية التحتية.
بحسب المجلس العالمي للسفر والسياحة، ستسهم السياحة في نحو 1.9 تريليون يورو من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي هذا العام، أي ما يعادل 10.5% من الاقتصاد، مع توقعات بارتفاع الرقم إلى 2.3 تريليون يورو بحلول عام 2035. وتشير تقديرات المفوضية الأوروبية إلى أن القطاع يوفر ما يقارب 23 مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة في الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والأنشطة الثقافية، ما يجعله ركيزة أساسية لاقتصاد القارة.
غير أن أهمية السياحة تتفاوت من بلد إلى آخر. ففي كرواتيا مثلاً تمثل 18% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي اليونان توفّر أكثر من خمس فرص العمل في اقتصاد الأعمال. أما إسبانيا، الوجهة السياحية الأولى في الاتحاد، فقد استقبلت أكثر من 98 مليون سائح دولي في 2024، تجاوزت نفقاتهم 100 مليار يورو، وساهم القطاع بنسبة 12.3% من الناتج المحلي و11.6% من حجم العمالة. وفي ترتيب ليالي الإقامة السياحية، تصدرت إسبانيا بأكثر من 302 مليون ليلة، تلتها إيطاليا بـ234 مليون، ثم فرنسا بـ138 مليون، واليونان بـ123 مليون.
هذا النمو انعكس على البنية التحتية السياحية أيضاً، إذ يضم الاتحاد الأوروبي أكثر من 636 ألف منشأة إقامة توفر نحو 29.5 مليون سرير، يتركز ثلثها تقريباً في فرنسا وإيطاليا. وسجّل يوروستات في الربع الأول من 2025 ما يزيد عن 452 مليون ليلة إقامة، فيما واصلت ألمانيا تعزيز موقعها كإحدى أبرز الوجهات الداخلية للألمان أنفسهم، إذ بلغت ليالي الإقامة السياحية داخلها 496 مليون ليلة في 2024، وهو رقم قياسي تاريخي.
لكن في مقابل هذه الأرقام المبهرة، يتنامى الشعور بالضيق في العديد من المدن السياحية الكبرى. ففي برشلونة وبالما دي مايوركا خرج آلاف السكان في احتجاجات ضد ما وصفوه بـ“السياحة المفرطة”، التي تسببت في ازدحام الشوارع وارتفاع أسعار الإيجارات وتحويل الشقق إلى وحدات قصيرة الأجل. وفي أثينا، حظرت الحكومة تسجيل شقق جديدة للإيجارات الموسمية وسط العاصمة لمدة عام كامل، بعدما تجاوزت هذه الوحدات 12 ألفاً في 2024. أما أمستردام فقررت فرض رسوم دخول على بعض معالمها ابتداءً من العام المقبل للحد من تدفق الزوار.
تزايد هذه الضغوط دفع السلطات الأوروبية إلى تبني مقاربة جديدة للقطاع، إذ أطلقت بروكسل جدول أعمال السياحة الأوروبية 2030، الذي يركز على تعزيز الاستدامة والرقمنة والمرونة. وتتضمن الخطة تخفيف الازدحام في الوجهات الشهيرة، تطوير أنماط سياحية بديلة أكثر صداقة للبيئة، وتوفير خدمات رقمية أيسر للزوار. وتدعّم هذه الاستراتيجية برامج تمويل متنوعة مثل “إيرازموس بلس” لتثقيف الشباب في السياحة، والصناديق الزراعية والإقليمية الموجهة لدعم المناطق الريفية الأقل حظاً.
مع ذلك، يحذر خبراء من أن فرض الضرائب وحده لا يكفي لتقليل أعداد السياح، وأن تقليص النشاط السياحي بشكل مباشر قد يضر بالدخل ويوفر فرص عمل أقل. ويقترح آخرون حلولاً أكثر ابتكاراً، مثل استثمار الضرائب في حماية البيئة كما في أيسلندا، أو التعاون مع شركات الرحلات البحرية لتوزيع أوقات الرسو كما في دوبروفنيك الكرواتية، أو الترويج للسياحة الصيفية في منتجعات التزلج النمساوية لتخفيف الضغط عن المواسم الشتوية.
ويعتبر العديد من الأوروبيين أن السياحة سيف ذا حدين: فهي “الأوزة التي تبيض ذهباً” باقتصاد يتعطش للنمو بعد سنوات من الأزمات، لكنها في الوقت نفسه تهدد جودة الحياة في مدن كبرى وتضع البيئة والمجتمعات المحلية أمام اختبارات صعبة.