البوفا .. مخدر خطير وسريع الانتشار في أوساط المراهقين والشباب ويدفع للانتحار (حوار)

البوفا .. مخدر خطير وسريع الانتشار في أوساط المراهقين والشباب ويدفع للانتحار (حوار)
حجم الخط:

يعد استهلاك المخدرات بجميع أنواعها والإدمان على تعاطيها معضلة حقيقية تواجه المجتمع ويروح ضحيتها أطفال وشباب في مقتبل العمر، ولعل من بين أخطر أنواع المخدرات التي باتت تهدد الصحة العقلية والنفسية لهؤلاء في الآونة الأخيرة هو مخدر البوفا، أو ما يطلق عليه في أوساط متعاطيه بـ”كوكايين الفقراء” بسبب رخص ثمنه وتأثيراته المنشطة والمهلوسة السريعة، والتي تشمل الانفعال المفرط والشعور بالقوة والحيوية وزيادة في مستويات الطاقة والوعي، والتي تترتب عنها اضطرابات نفسية وجسدية خطيرة قد تؤدي أحيانا إلى الشعور بنزعات الانتحار لدى مدمنيه.

ما هو مخدر البوفا؟ وعلى ماذا يحتوي وكيف يؤثر على عقل وجسد الشباب؟ وهل صحيح أن تناوله مرة واحدة أواثنين يؤدي إلى الإدمان عليه؟ وكيف يدفع إلى الانتحار وهل يمكن التخلص منه وما هي العلاجات المتوفرة لذلك..؟ كل هذه الأسئلة سيجيب عنها بالتفصيل البروفسور محمد لهلال، أخصائي في علم النفس العصبي ومتخصص في تشخيص وعلاج الإدمان في حوار خص به “الصحراء المغربية”.

 

ما هو مخدر البوفا وما هي مكوناته ؟
هو مخدر يقوم التجار بصنعه من الكوكايين، ويعتبر من أسرع المخدرات التي تقوم بالتأثير على الجهاز العصبي المركزي، وفي عام 1986 ظهر البوفا داخل الولايات المتحدة بين الشباب، ويتكون المخدر من بعض المكونات مثل الكوكايين والأمونيا ونشا الذرة وبيكاربونات الصوديوم، وينتشر البوفا، أو ما يعرف باسم الكراك بكثرة داخل المغرب، ويقبل عليه العديد من الأشخاص؛ ومع إجراء بعض المناقشات مع الشباب الذين سبق لهم تعاطي البوفا المعروفة بالكراك، والذين كانوا من بين من تم علاجهم من قبلنا، وتعافوا منه اتضح أن الكثيرين يقبلون عليه بسبب رخص ثمنه حيث إنه لا يتجاوز 1000 درهم مغربية للغرام، ومفعوله لا يزيد عن ربع ساعة حيث يبدأ بعد 5 دقائق من تناوله؛ ولهذا السبب قامت الدولة بوضع مخدر البوفا في جدول المخدرات وجرمت المتجرين بها، حيث يعاقب كل مدمن أو تاجر مخدرات يتاجر بها.

 

 كيف يؤثر تناوله على عقل المستهلك؟ وما تداعياته على الصحة العقلية والنفسية لمستهلكيه وكيف تتجلى خطورة هذا المخدر؟

إن الاستمرار في تناول البوفا/الكراك يدمر الصحة، حيث ينتشر في الجسم بأكمله، ويؤثر على وظائف الأعضاء المهمة مثل المخ، القلب، الرئتين وغيرها، وتتجلى خطورته في تدمير الجهاز العصبي المركزي من خلال عدم ضخ الدورة الدموية إلى أعضاء الجسم، مما يسبب حدوث اضطراب في إرسال الإشارات من الدماغ إلى الجسم، كما يضر بالجهاز الحركي حيث يسبب شللا في الأطراف ولا يستطيع المدمن التحرك وعند السير يشعر بعدم التوازن، كما يصيب الجهاز التنفسي بالضرر بشكل كبير حيث تقل نسبة الأكسجين وعدم القدرة على التنفس بطريقة طبيعية.
وينتج عن تعاطي مخدر البوفا ضعف في أداء الجهاز المناعي، ويتعرض إلى الإصابة بالعدوى والفيروسات، كما يترسب من هذا المخدر بعض العناصر السامة التي تؤثر على صحة الجهاز الهضمي ويترتب عليه القيء والغثيان المستمر، كما يصعب على الكبد التخلص من المواد السامة المتراكمة وطردها ويصاب بالتلف، ويحدث المخدر تجلطا في الدورة الدموية وضيق الأوعية ما يترتب عليه الإصابة بالجلطة القلبية، ناهيك عن إصابة الدماغ بتوقف جميع الخلايا والنواقل وينتج عنها الجلطة التي تسبب الوفاة مع زيادة مستوى ضغط الدم ونزيف الدماغ، ويسبب مخدر البوفا تلفا في الخلايا المخاطية ويحدث نزيفا ما يؤدي إلى عدم القدرة على الاستنشاق.
وتتعرض بعض المناطق في المخ إلى الضرر بسبب مخدر البوفا، ومن الجدير بالذكر أن تلك المناطق مهمة من أجل الحياة، ومن ضمنها المناطق التي تجبر المدمن على عدم التوقف عن الإدمان، وتتضمن العقد القاعدية التي تنشط عند تناول المخدر ويشعر فيها المتعاطي بالاستمتاع، كما أن العقد القاعدية تتحكم بالسلب في السلوكيات التي يقوم بها الشخص خلال يومه، مثل التواصل مع الآخرين والشهية والرغبة الجنسية والنشاط البدني، بالإضافة إلى اللوزة الدماغية الممتدة والتي تتحكم في الإحساس بالتوتر والعصبية وغيرها. ويتسبب البوفا في ارتفاع معدلات الشعور بالسلبية فعندما يمتنع المدمن عن التعاطي تسبب هذه المنطقة الشعور بالرغبة في تناول المخدر.
كما تعد قشرة الفص الجبهي من المناطق التي تتعرض للخطر بشدة عند تناول المخدر، فهي التي تتحكم في تعاطي المدمن بالإضافة إلى أنها تقوم بالتحكم في العديد من المواقف اليومية كالتفكير والانتباه واتخاذ القرارات والتحكم في النفس والسلوك والتأقلم البيئي والطبيعي والاجتماعي.

 

 هل يدفع هذا المخدر إلى الانتحار؟
نعم، فالمدمن يدخل في نوبة اكتئاب حادة، وتسوء حالته المزاجية، ما يؤدي إلى شعوره بعدم الرغبة في الحياة، وتتردد على ذهنه الميول الانتحارية التي تتحكم في تفكيره، وقد يترتب عليها الانتحار.

كيف يتحول مستهلك البوفا/الكراك إلى مدمن؟ وهل صحيح أن تناول هذا المخدر لمرة واحدة أو مرتين قد يؤدي إلى الإدمان؟
من الجدير بالذكر أن المخدر لا يسبب التعاطي من أول مرة، بل تزداد ميوله إلى التناول من أجل الشعور بنفس الشعور الأول، حيث إنه عند تناول المخدر في البداية بكمية غير كبيرة يشعر الإنسان بالفرحة الحادة دون وجود دافع لهذه الفرحة، ويمتلك شعورا مثيرا؛ كما أن رغبته الجنسية تتضاعف، ولكن مع مرور الوقت تبدأ علامات التعاطي بالوضوح على المدمن في شكل أعراض جسدية ونفسية وسلوكية.

 

 هل استقبلتم في مركزكم حالات تعاني من الإدمان على هذا المخدر؟ 
تم استقبال عدد من الحالات في المركز الذي كنا نعمل فيه مع عدد من الأخصائيين الآخرين، بدعم من جمعية أطباء إحدى المناطق، وتمثل دور مركز علاج إدمان المخدرات في التوسع لعلاج كافة الفئات الاجتماعية من مختلف الطبقات والأجناس والأعمار، ونؤكد أن دور مراكز العلاج من تعاطي المخدرات، ومنها البوفا / الكراك، لا يقل أهمية عن دور كافة المستشفيات الأخرى وخاصة بعد ارتفاع نسبة إدمان المخدرات في المملكة المغربية خاصة، وفي الوطن العربي بوجه عام، فهي تقدم للمجتمع خدمات متعددة، تشمل علاج جميع حالات الإدمان بأنواع، توفير برامج علاجية مناسبة لكافة الحالات بهدف زيادة نسبة المتعافين، إطلاق حملات توعية ضد مخاطر إدمان المخدرات، تقديم الدعم النفسي للمتعافين بهدف منع الانتكاسة، حماية المجتمع من خطر الإدمان من خلال تقليل نسبة مدمني المخدرات، تنظيم مجموعات الدعم لمساعدة وتشجيع المدمن على التخلص من المخدرات، رعاية المتعافي بعد الخروج من مستشفى علاج الإدمان للحد من حدوث الانتكاسة، مساعدة المدمن المتعافي على إيجاد حلول للمشاكل التي دفعته للإدمان، مثل البطالة أو المرض النفسي.

 

 ما هي نسب نجاح هؤلاء على الإقلاع؟ 
البوفا خاصة، والمخدرات بشكل عام، عبارة عن إدمان مميت، فالشخص المدمن طوال حياته تصل نسبة وفاته بسبب هذه العادة إلى 50%، وعموما يفقد المدمن في المتوسط 10 سنوات من عمره بسبب الإدمان، ومع ذلك يستمر نصف المدمنين في ممارسة هذه العادة الضارة حتى وفاتهم.
تعد نسبة نجاح علاج المدمن على البوفا/الكراك، أو المخدرات عامة مرتبطة بنوع ومدة ونسبة تأثير المخدر على المدمن بما فيها مدى الاستجابة للعلاج، والأضرار الجسدية الناتجة عن الإدمان، والاضطرابات النفسية الناجمة عن الإدمان، والحالة الصحية الشاملة للمدمن، والمرحلة العمرية للمريض، وتعاطي أكثر من نوع من المخدرات.

 

ما هي العلاجات المتوفرة لمساعدة المدمنين على الإقلاع؟
هناك اختلاف في فترة التعافي من مدمن إلى آخر على هذا المخدر، لكن في أبرز الحالات تكون لدى المدمن مدة 3 شهور في حالة كانت الأعراض بسيطة وسرعة استجابة الجسم للعلاج، أو تمتد إلى سنتين على الأكثر إذا كانت حالة المدمن متدهورة.
إن أفضل علاج تعاطي البوفا يكون عن طريق العلاج بأحد مراكز علاج الإدمان، وذلك لأنه متخصص في معالجة حالات الإدمان والتخلص من العلامات الجسدية والنفسية الخطيرة، بالإضافة إلى أنه يضع بروتوكولا علاجيا يلائم حالة المريض، وتتم مرحلة العلاج على عدة خطوات تبدأ بالإقناع بالعلاج حيث يخضع المدمن إلى الكشف عند الطبيب النفسي الموجود في المركز، وهنا يقنع الطبيب المريض بأهمية العلاج وأضرار التعاطي، واستعمال جميع أساليب الإقناع، ثم تأتي مرحلة إجراء الفحوصات والتحاليل بشكل دقيق من أجل التعرف على الحالة الصحية للمريض، وتحديد البرنامج المناسب من أجله.
وتكون البداية الحقيقية للعلاج من الأعراض الانسحابية عندما يبدأ الطبيب بوصف العديد من أدوية تنظيف الجسم من السموم وتوقف المدمن عن تناول المخدر، ويستطيع الطبيب التخلص من هذه الأعراض دون شعور المريض بالألم، ويكون تحت إشراف الطبيب بصفة دورية، بالإضافة إلى تحديد نظام غذائي يحتوي على الفيتامينات والعناصر الغذائية التي يحتاجها جسم المدمن في ذلك الوقت، كما يضع الطبيب المعالج نظاما من أجل علاج حالة المريض النفسية التي تدهورت بسبب التعاطي، من خلال معالجة العلامات النفسية التي نتجت عن التعاطي، مثل سوء الحالة النفسية، الاكتئاب، الهلاوس وغيرها، ويخضع المريض في هذه المرحلة لدورات علاج فردية يقوم فيها الطبيب بالتعرف على دوافع التعاطي وحلها وتغيير تصرفات المريض التي تسبب الإدمان في انتقالها للأسوأ وجعلها أكثر إيجابية، بعدها تأتي مرحلة انضمام المريض إلى دورات العلاج الجماعية مع المرضى الذين سبق لهم العلاج في المركز، حيث كنت شخصيا أشرف على علاجات فردية وجماعية بالمركز.
وبعد التأهيل النفسي يأتي دور التأهيل الاجتماعي حيث يسعى المعالج إلى توضيح كيفية التعامل مع الضغوطات والمشاكل للمريض وتدريبه على مقاومة المشاكل من غير استعمال مخدر البوفا، وتقديم الكثير من النصائح التي تسهم في العيش في المجتمع مرة أخرى بشكل طبيعي، كما يخضع المريض للمتابعة المستمرة حتى بعد خروجه من مركز علاج الإدمان، ويبقى هذا الأخير على تواصل مستمر معه من أجل الاطمئنان عليه وضمان عدم رجوعه إلى التعاطي مرة أخرى.

 

 هل صحيح أن تأثيراته على الصحة العقلية والنفسية تستمر حتى بعد الإقلاع؟ 
يمكن الحديث هنا عن الأعراض الانسحابية للإدمان على مخدر البوفا، فعندما يتوقف المدمن عن تعاطي المخدر يتعرض جسمه إلى الكثير من الأعراض الانسحابية التي يصعب عليه تخطيها بمفرده ويشعر بسببها بالكثير من الألم، وتحتاج حينها إلى التدخل الطبي، ومن أبرزها تقلب المزاج بسبب حدوث انخفاض في معدل النواقل العصبية داخل الدماغ يحدث اضطرابا في الشعور والمزاج، التعرض إلى الرعشة المستمرة بسبب ارتفاع درجة الحرارة ويتعرض الجهاز الهضمي إلى اضطرابات كالإمساك أو الإسهال والقيء والغثيان وألم المعدة.
كما يصاب المنقطع عن مخدر البوفا بالاكتئاب لأنه أثناء التعاطي يشعر المدمن بالسعادة، لكن عند التوقف يحدث انخفاض في معدل الدوبامين داخل العقل مما يسبب الاكتئاب، ويعاني من الأرق بسبب اعتماد خلايا العقل على المخدر، ويفقد وزنه لأن المتوقف عن تناول البوفا لا يرغب في تناول الأطعمة نظرا إلى انخفاض في معدل الشهية مما يسبب خسارة الكثير من الوزن.
بالإضافة إلى ذلك، يشعر المدمن السابق بسرعة في نبضات القلب بسبب ارتفاع أداء أعضاء الجسم ما يحدث زيادة في سرعة ضربات القلب، وارتفاعا في درجة حرارة جسمه بشكل حاد مع الرعشة.

ما هي توصياتكم للأهل والأطر التربوية لمراقبة الأطفال والمراهقين للحد من انتشار آفة الإدمان على المخدرات؟
إن التعامل مع المدمن يعتبر أمرا صعبا خاصة إذا كنت ستصارحه بأمر تعاطيه، لكن الأمر ضروري كي تستطيع مساعدته، ولذلك يفضل أن تتبع عددا من النصائح من ضمنها وضع برنامج علاجي واضح وبسيط وناجع داخل المركز ألاستشفائي من الإدمان، بسلوك مراحل الاستشفاء بطريقة علمية سليمة وواقعية تستجيب لخصوصيات المجتمع المغربي.
تبني الهدوء والحكمة في التعامل مع المدمن وعدم التصرف بالحزم من أجل كسب ثقته وعدم الخوف منك، وينبغي الابتعاد عن طريقة إلقاء أسلوب اللوم على المدمن، وإظهار أنك تتفهم أمره وتحب أن تقدم المساعدة إليه، ومن الضروري التعامل بشكل صريح مع المدمن وعدم إخفاء أمر أنك علمت إدمانه، ويجب ألا تنتظر منه أن يتحدث عن إدمانه، فهو في البداية يرفض الاعتراف بحقيقة إدمانه بسبب إحساسه بالخجل، وهنا يجب تجنب أسلوب التهديد لأن التهديدات تشكل خطرا كبيرا في التعامل مع المدمن، كي لا يرفض المدمن التوقف عن التعاطي، ويجب أن تقنع المدمن بضرورة العلاج في مركز متخصص في علاج الإدمان حتى يتخلص من معاناته، ومواكبته نفسيا من قبل أخصائي العلاج النفسي.

 

أسماء إزووان​