في المغرب، كما في كل بقاع العالم، تكدح العديد من النساء في صمت، تضحين من أجل الآخرين، تكافحن من أجل تحقيق أحلامهن المجهضة، سلاحهن المثابرة والعنفوان والعزيمة والصبر، والحاجة الزوهرة الشتيتي ابن علي، المتحدرة من مدينة الدارالبيضاء، واحدة من هؤلاء.
تقول عنها الروائية خديجة صدوق “هي امرأة لا تعرفها المنابر الإعلامية، ولا الجمعيات النسائية.. ولا المحافل الدولية. امرأة لم تدخل المدرسة العمومية ولا الخصوصية، لكنها دخلت مدرسة كبرى.. مدرسة الحياة. هذه المرأة توفيت ونحن على مشارف الاحتفال باليوم العالمي للمرأة 8 مارس، فأبيت إلا أن أكرمها بهذه المناسبة، لأنني عاينت نضالها وكفاحها منذ حوالي أربعين سنة”.
تعرفت خديجة صدوق على هذه المرأة منذ أربعين سنة، وتتذكر في كلمة تأبينها أن “الحاجة الزوهرة الشتيتي ابن علي كانت تحدثني عن المواد التي يدرسها أبناءها مادة مادة بمصطلحاتها الطبية أو الاقتصادية … وكأنها تدرس إلى جانبهم هذه المواد”.
وتواصل صدوق سردها قائلة “إنها امرأة ترملت ولم تتجاوز الاثنتي وثلاثين سنة عاشت بعدها نصف قرن، خمسون سنة، في كفاح ونضال قل نظيرهما. لم يترك لها زوجها لا ثروة ولا إرث.. ترك لها معاشا ضئيلا وعشرة أبناء أكبرهم سنها 16 سنة وأصغرهم رضيعة لم تتجاوز شهرها الثامن”.
وبنبرة من يكرم إنسانا استحق الاحتفاء به، تشدد الروائية صدوق قائلة “الحاجة هذه المرأة أعطت للوطن خمسة أطباء في اختصاصات متعددة، ومهندسين اثنين، وإطار بنكي وآخر في صناعة الأدوية، ومعلمة. إنها المرأة التي لعبت دور الأم والأب بكل تفان ونكران ذات”.
في كلمة تأبينها، وفي جو من الخشوع والهيبة، قالت الروائية صدوق “أسميها المقاومة عن جدارة واستحقاق، لأنها قاومت كل نوائب الدهر منذ وفاة زوجها وأب أبناءها، ليتركها أمام مسؤولية ضخمة، تجمع بين الترمل، ورعاية البنات والأبناء. هي مقاومة بكل ما في الكلمة من معنى، لأنها صارعت الدهر وغالبت الزمن وقهرت العوائق وحطمت الحواجز وحضنت البنات والأبناء تحت جناحيها وسارت بهم في بيداء الحياة الطويلة مدة نصف قرن، وهي تقاوم وتصارع وتناضل يوما بيوم ولحظة بلحظة .. حتى صح أن يقال في حقها ما قاله الشاعر:
أطاعن خيلا من فوارسها الدهر وحيدا ……….وما قولي كذا ومعي الصبر؟
وتواصل خديجة صدوق “امرأة تحدثك عن المواد الطبية التي يدرسها أبناءها مادة مادة.. تحدثك عن مواد شعبة الاقتصاد وعن وزارة التعليم قسما قسما”.
امرأة درّست وربت وأطعمت وبنت المسكن…وقهرت القهر، وتحدت نوائبه بإرادة فولاذية، ظلت تحمل الصبر والعزيمة ونكران الذات، خمسون سنة نذرتها لفلذات كبدها وللوطن الذي أعطته عشر أطر دون أن يعطيها لا منحة تساعدها على أعبائها، ولا شهادة تقديرية ترفع معنوياتها وتعترف بمجهودها”.
وتواصل صدوق تأبين الحاجة الزوهرة “عانت الضغط الدموي ومرض السكري، فلم تستسلم للمرض بل كانت تطب منه في كل مرة أن يمهلها، فهي في مهمة شاقة..لا وقت لها للمرض وملازمة الفراش، واستمرت تطاعن الخيل… إلى أن تخرج كل الأبناء واشتغلوا وتزوجوا وأنجبوا، فوقفت شامخة أمام منجزاتها، وقد تجاوزت الثمانين من عمرها، فخرت كل قواها دفعة واحدة لتترك جسدها يتهاوى فوق الفراش، لتنسل روحها في نوم أبدي…صح أن يقال عنها مع المغني… “لنا كل الموت لنستريح” دون أن تكون لها كل الحياة لتلهو”.
وختمت صدوق كلمتها “فأي عيد يكرم مثل هؤلاء الجنديات المجهولات؟ فنامي قريرة العين ولك مني، بمناسبة عيد المرأة، كل التقدير والاحترام”.
