النهار المغربية – محمد زريوح
في مشهد سياسي مثير للدهشة، أطلّ الخطاب الأخير للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كحالة لافتة من “التنكر الدبلوماسي”، حيث استبدل لغة التصعيد المعهودة بنبرة هادئة غير مسبوقة تجاه ملف الصحراء المغربية.
هذا التحول التكتيكي ليس تنازلاً، بل هو إعادة صياغة ذكية تهدف لتفادي العزلة الدولية والتكيف مع موازين القوى الجديدة التي فرضتها الانتصارات الدبلوماسية المتلاحقة للرباط.
لقد بدا واضحاً أن قصر المرادية يسعى، عبر التأكيد على سلاسة المسار الأممي، إلى حجز مقعد في القاطرة الدولية قبل أن يفوت الأوان.
ومن خلال إقحام الإدارة الأمريكية في مشهد التشاور، يحاول تبون إظهار الجزائر في ثوب الطرف “البراغماتي” المرن، في محاولة يائسة للتخلص من صورة “المعرقل” التي التصقت به طويلاً أمام المجتمع الدولي.
إن غياب “المدفعية اللفظية” المعتادة تجاه المغرب في هذا الخطاب يعكس خروجاً مؤقتاً ومدروساً عن النهج الصدامي السابق.
هذه “الهدنة الكلامية” ليست سوى محاولة لامتصاص زخم الدعم العالمي المتزايد لمغربية الصحراء، ومحاولة لتهدئة العواصف الدبلوماسية التي باتت تعصف بالأطروحات التقليدية للجزائر.
في عمق التحليل، يظهر هذا الهدوء كمناورة بارعة لإدارة الصراع بلغة العصر، بعدما أدركت الدبلوماسية الجزائرية أن الواقع الإقليمي بات يفرض منطقاً جديداً لا تتماشى معه الحدة السابقة. إنها رقصة سياسية على حافة المتغيرات الدولية، حيث يتم استبدال الضجيج بالدبلوماسية الهادئة للحفاظ على ما تبقى من أوراق في ملف يخرج تدريجياً من تحت السيطرة.
نحن أمام مرحلة “التكيف الإجباري مع الواقع”، حيث لم يعد الخطاب السياسي مجرد كلمات مرسلة، بل أداة دفاعية أخيرة عما تبقى من حضور جزائري. فبينما يتجه الملف بخطى ثابتة نحو حسم دولي نهائي لصالح السيادة المغربية، تجد الجزائر نفسها مضطرة لتبني هذا الأسلوب الراقي تكتيكياً لتجنب الاصطدام المباشر مع الإرادة الدولية.
