النهار المغربية – عبد اللطيف بركة
في قلب حي تالبرجت، حيث تختلط ذاكرة الأمس بإيقاع الحاضر، استعادت “غابة الذاكرة” بمدينة أكادير روحها من جديد، بعد سنوات من الصمت والإهمال، لتتحول إلى فضاء حضري نابض بالحياة، يحمل في جذوره حكاية مدينة قاومت النسيان، وفي أغصانه وعدا بمستقبل أكثر جاذبية .
هذا المشروع، الممتد على مساحة تقارب 35 هكتارا، ليس مجرد عملية تهيئة بيئية، بل هو إعادة كتابة لذاكرة مكان ظل شاهدا على واحدة من أقسى المحطات في تاريخ المدينة، منذ زلزال أكادير 1960 الذي غير ملامحها وأعاد تشكيل وجدانها الجماعي.
واليوم، يعود هذا الفضاء ليحمل تلك الذاكرة، لكن بلغة جديدة تجمع بين الجمال الطبيعي والوعي التاريخي.
بعد أشغال دامت نحو ثمانية أشهر، استعادت الغابة توازنها، ليس فقط من خلال غرس ما يقارب 10 آلاف شجرة من أصناف متنوعة تتلاءم مع المناخ المحلي، بل أيضا عبر رؤية حضرية متكاملة حافظت على الروح الأصلية للمدينة القديمة، كما كانت قبل الكارثة.
لقد أصبح المكان امتدادا حيا لتاريخ أكادير، حيث تتجاور الأشجار مع خطوط الذاكرة العمرانية، في تناغم يعكس استمرارية الزمن بدل انقطاعه.
ولم تقف عملية التأهيل عند حدود الغرس، بل شملت تجهيز بنية تحتية متقدمة للسقي، عبر شبكة بالتنقيط تمتد لعشرات الكيلومترات، إضافة إلى إحداث بحيرة اصطناعية تضمن استدامة الموارد المائية، في انسجام مع تحديات المناخ ومتطلبات الحفاظ على التوازن البيئي.
بهذا المعنى، تتحول “غابة الذاكرة” أو كما يعرفها الاگادريون “بلاصة البيرميات” إلى أكثر من مجرد متنفس طبيعي، إنها فضاء للتأمل، ومختبر حضري يعيد طرح سؤال العلاقة بين الإنسان ومجاله، بين الذاكرة والتنمية.
فالمشروع يعيد الاعتبار لحي تالبرجت، أحد أبرز الفضاءات التي تختزن ذاكرة المدينة قبل وبعد الزلزال، ويمنحها بعدا جديدا يربط الأجيال بتاريخها دون أن يثقلها به.
وفي السياق ذاته، يرى فاعلون بيئيون أن هذا الورش يشكل خطوة نوعية نحو تعزيز المساحات الخضراء داخل المدينة، خاصة في ظل التحولات المناخية وتراجع الفضاءات الطبيعية، كما يبرز الحاجة إلى توسيع مثل هذه المبادرات، لتوفير أحزمة خضراء قادرة على تحسين جودة العيش، وإعادة التوازن للمنظومة الحضرية.
هكذا، تكتب أكادير فصلا جديدا من علاقتها بذاكرتها، فصل لا يقوم على استحضار الألم فقط، بل على تحويله إلى قوة اقتراح وبناء، فبين جذوع الأشجار ومسارات المشي، تنبض حكاية مدينة الانبعاث اختارت أن تتذكر… لكي تمضي قدما .
