قال أحمد رضى الشامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أمس الثلاثاء، إن الحصيلة التي سجلتها التجربة المغربية في منظومة الحوار الاجتماعي، «على أهميتها تظل حسب تقديرات الفرقاء دون مستوى التطلعات، ولا تواكب التحديات التي تفرضها تحولات النظام الاقتصادي العالمي، والثورة الرقمية، ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا».
وأكد الشامي في اللقاء التواصلي من أجل تقديم مخرجات آراء المجلس حول موضوع «الحوار الاجتماعي»، أنه «في ضوء التشخيص الجماعي، الذي قام به المجلس بمعية الأطراف المعنية بمنظومة الحوار الاجتماعي، سجل أن التجربة المغربية في هذا المجال حققت عددا من المنجزات المهمة والنتائج الإيجابية، وجملةً من الاتفاقات التي تتفاوت التزاماتها من حيث المحتوى والزخم».
وسجل الشامي أن التجربة المغربية التي ترجح الحوار الاجتماعي الثلاثي الأطراف، وأن الحوار الاجتماعي الوطني الثلاثي ليس «ممأسسا، ولا ينعقد بوتيرة منتظمة، ولا يخضع لمنهجية واضحة وموحدة. كما يظل في الغالب مرتهنا بإكراهات الظرفية السياسية والاجتماعية، ولا يؤدي غالبا إلى اتفاقات وتعاقدات ملزمة»، مفيدا أن الحوار الاجتماعي القطاعي يكاد يكون شبه غائب، سواء في القطاعات العمومية أو في القطاعات الاقتصادية، على المستوى الوطني، وكذا على المستوى الجهوي والإقليمي.
وأكد الشامي أن من ضمن الملاحظات التي وقف عليها تشخيص المجلس والأطراف المعنية بالحوار الاجتماعي، تظل «ثقافة الحوار الاجتماعي في القطاع الخاص، وداخل المقاولة، محدودة وغير معممة، رغم تنصيص التشريع المغربي على مجموعة من الآليات المؤسساتية للحوار والتصالح، وتسوية نزاعات الشغل الفردية والجماعية، وتشجيع المفاوضة الجماعية»، مضيفا أن جدول أعمال الحوار الاجتماعي يركز على المفاوضات حول الأجور، والتحديات المرتبطة بمعايير التمثيلية في الحوار، دون أن يتسع لمواضيع أخرى لا تقل أهميةً، من شأنها أن تساهم في استقرار علاقات الشغل، وتحسين ظروف العمل.
واقترح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في مخرجاته، وفق الشامي، جملة من مسالك التفكير والتطوير، داعيا إلى إرادة سياسية من خلال إصدار قانون-إطار للحوار الاجتماعي يحدد المبادئ والقواعد الملزمة للأطراف المعنية، ويوضح مسؤولياتها، ويضع آليات الحوار.
وشدد الشامي على إرساء منظومة مغربية- مغربية للحوار الاجتماعي، مضيفا أنه في غياب نموذج موحد ووحيد للحوار الاجتماعي على الصعيد الدولي، يتعين العمل على ابتكار منظومة وطنية للحوار الاجتماعي بكيفية تشاركية، تتجاوب مع واقع المغرب وتطلعاته. على أن تكون هذه المنظومة متلائمة مع الالتزامات الدولية لبلادنا في هذا المجال، وأن تستفيد طبعا من الممارسات الجيدة للتجارب الدولية الرائدة والناجحة.
وأوصى الشامي بمأسسة منظومة شاملة ومتكاملة، تحرص على الارتقاء بالحوار الاجتماعي في القطاع العام، على المستوى الوطني وعلى المستوى الجهوي والإقليمي (لامركزية الحوار الاجتماعي)، وفي مختلف القطاعات الاقتصادية بجميع مستوياتها، مركزيا وجهويا وفي المقاولة، مقترحا تعزيز تمثيلية الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، بما يقوي مشروعية الحوار الاجتماعي ويوسع تمثيلية أطرافه «وهو ما يساهم في تكريس قيم المشاركة ومحاربة مظاهر الإقصاء التي قد تفرز أشكالا جديدة من الاحتجاج خارج ما يتيحه الدستور والقوانين»، يوضح الشامي.
كما دعا رئيس المجلس إلى توسيع جدول أعمال الحوار الاجتماعي، لكي يشمل مواضيع جديدة ومتنوعة، موصيا بتطوير وتعميم الاتفاقيات الجماعية، على اعتبار أن الاتفاقيات الجماعية المنصوص عليها دستوريا، تساهم في استقرار علاقات الشغل، وتوفير شروط العمل اللائق، وتحسين إنتاجية وتنافسية القطاع والمقاولة.
وطالب الشامي بانفتاح الحوار الاجتماعي على فاعلين جدد: من قبيل المجتمع المدني والفعاليات الجامعية ومراكز التفكير، تجسيدا لقيم المشاركة المواطنة والتعاون، وإغناء للحوار، داعيا إلى ضرورة إيجاد صيغ لمساهمة هؤلاء الفاعلين، كلما اقتضت الحاجة، دون المساس بصلاحيات وأدوار الأطراف التقليدية للحوار الاجتماعي.
واقترح إسهام الحوار الاجتماعي الموسع في إعداد السياسات والبرامج العمومية، تفعيلا للمقتضيات الدستورية الرامية إلى إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، ضمن هيئات للتشاور، في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها، مؤكدا على ضرورة التنشئة والتحسيس والتكوين لزرع ونقل القيم والمعارف، التي من شأنها تمهيد الطريق أمام التشبع بثقافة الحوار والمشاركة والتفاوض لدى الفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين.
