
لقاء “الأصدقاء القدامى” في الصين .. خريطة التحالفات العالمية تتغير
أظهرت الصين وجه الوحدة وسط تصاعد النزاعات الإقليمية والخلافات التجارية، في قمة أمنية صينية كبرى حضرها قادة من روسيا والهند وإيران ودول أخرى غير منضوية تحت مظلة حلف الناتو اليوم الأحد.
وقال الرئيس الصيني والأمين العام للحزب الشيوعي شي جين بينج في القمة الخاصة بمنظمة شنغهاي للتعاون الموالية لروسيا: “يشهد العالم تغيرات لم تحدث منذ قرن، مع تزايد كبير في حالة عدم الاستقرار وعدم اليقين”.
وخلال مأدبة عشاء احتفالية في مدينة تيانجين الساحلية شمال الصين، ذكر شي أن على منظمة شنغهاي للتعاون أن تتحمل مسؤولية أكبر في الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة.
وأدلى بهذه التصريحات أمام عدد من رؤساء الدول والحكومات، بمن فيهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي استقبله شي بحرارة بمصافحة ودية.
وعند وصوله إلى المأدبة، تحدث شي مع بوتين، الذي يصفه في كثير من الأحيان بـ”الصديق القديم”. كما وقف الزعيمان جنبًا إلى جنب في ما يُعرف بـ”الصورة العائلية”.
وتسيطر على المنظمة إلى حد كبير أنظمة سلطوية، يتعرض قادتها لانتقادات دولية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.
لقاء “الأصدقاء القدامى”
ومرة أخرى، أتاحت القمة لبوتين، الذي لا يزال معزولًا في أجزاء من الغرب بسبب حربه العدوانية على أوكرانيا، منصة لإبراز علاقاته الوثيقة مع الصين ودول آسيوية أخرى.
ومع ذلك، فقد كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد استقبل بوتين مؤخرًا بحفاوة في قمة عقدت في ألاسكا. وأوضح بوتين، خلال مقابلة مع وكالة أنباء الصين الرسمية “شينخوا”، أن تركيزه خلال زيارته التي تستغرق أربعة أيام إلى الصين ليس على التوتر مع الغرب، وإنما على بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب.
ومن المقرر أن يبقى بوتين في الصين عدة أيام، وأن يحضر عرضًا عسكريًا في 3 سبتمبر في العاصمة بكين، إلى جانب زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون. ويُقام العرض بمناسبة الذكرى الثمانين لهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية.
وتُعتبر الصين الحليف الأهم لروسيا في حربها ضد أوكرانيا، إذ امتنعت بكين حتى الآن عن إدانة أفعال موسكو، ودعمت المطالب الروسية في مقترحاتها الخاصة بحل النزاع.
وبالإضافة إلى ذلك، وبحسب اتهامات من دول غربية، تزود الصين روسيا بسلع يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية في آن واحد، مما يدعم الصناعة العسكرية الروسية.
ذوبان الجليد بعد جمود دبلوماسي
كما حظي لقاء شي مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بمتابعة دقيقة في ظل النزاع الحدودي المستمر منذ عقود. وكبادرة على تحسن العلاقات، دعا شي إلى تعاون أوثق مع الهند.
وقال شي لمودي: “الصين والهند شريكان وليستا خصمين”، مضيفًا أن كلا البلدين يمثلان فرصًا للتنمية لا تهديدات لبعضهما. من جانبه، وصف مودي لقائه مع شي بأنه “مُثمر”.
ويبدو أن أكبر دولتين من حيث عدد السكان في العالم تتحركان الآن نحو تقارب دبلوماسي جديد بعد سنوات من التوتر.
وترجع العلاقات المتوترة إلى نزاع حدودي طويل الأمد في منطقة الهيمالايا، التي تعتبرها بكين جزءًا من التبت الجنوبية، بينما تراها نيودلهي جزءًا من ولاية أروناشال براديش الهندية الشمالية.
وفي عام 2020، اندلع اشتباك بين جنود من الجانبين في المنطقة، أسفر عن مقتل 20 جنديًا هنديًا و4 جنود صينيين. ومنذ ذلك الحين، تدهورت العلاقات بين القوتين النوويتين.
وكتب مودي على منصة “إكس” بعد اجتماعه مع شي في تيانجين: “اتفقنا على أنه من المهم الحفاظ على السلام والهدوء في المناطق الحدودية”.
وكان شي ومودي قد عقدا أول محادثاتهما بعد النزاع العام الماضي في روسيا على هامش قمة “بريكس”، ما شكّل أول مؤشر على تحسن كبير في العلاقات بعد الاشتباكات الدموية.
وخلال اجتماع عقد مؤخرًا في الهند، اتفق الجانبان على خطة من عشر نقاط لتحقيق “السلام والهدوء” على طول الحدود المشتركة، كما يخططان لاستئناف إصدار التأشيرات السياحية والرحلات الجوية المباشرة.
نظام عالمي جديد؟
من المرجح أن تتابع واشنطن عن كثب محادثات تيانجين، خاصة بعد فرضها رسومًا جمركية بنسبة 50% على الواردات الهندية لمعاقبة نيودلهي على استمرارها في شراء النفط من موسكو رغم غزوها المستمر لأوكرانيا.
وتعهد بوتين بإحياء فكرة نظام عالمي متعدد الأقطاب خلال زيارته إلى الصين، حيث سيحضر أيضًا عرضًا عسكريًا واسع النطاق في بكين.
وتظل الصين الشريك التجاري الأهم للهند، ومن المتوقع أن يسعى القادة الثلاثة إلى توسيع التعاون لمواجهة النفوذ الأمريكي.
ووصل مودي إلى الصين عقب زيارة لليابان، حيث اتفق مع رئيس الوزراء شيجيرو إيشيبا على مضاعفة الاستثمارات الخاصة في الهند إلى 10 مليارات ين (68 مليون دولار) خلال السنوات العشر المقبلة.