الأرقام القياسية لبورصة الدار البيضاء ترسخ مكانة المغرب “سوقاً ماليا صاعدًا”

تواصل بورصة المغرب تحطيم أرقام قياسية، مُرسخة من خلال المؤشر الرئيسي لبورصة الدار البيضاء “مازي” مرحلة “تاريخية”؛ بعدما تجاوز لأول مرة حاجز 20 ألف نقطة في ختام تداولات الثلاثاء الماضي، منهياً الجلسة عند مستوى 20.065 نقطة، ليرسخ بذلك ارتفاعاً لافتاً بلغت نسبته حوالي 35.8 في المائة منذ مطلع السنة الجارية، التي يُتوقع أن تُختتم بتوصيف “الاستثنائية”.

يأتي ذلك في سياق ترصيدٍ قوي لرقم “قياسي” سابق حققته بورصة البيضاء يوم 18 يوليوز الماضي؛ حينما سجلت رقميْن قياسيين تاريخيين: تجاوز مؤشرها الرئيسي “مازي” حاجز 19.000 نقطة، فيما تجاوزت رَسملتها 1.000 مليار درهم لتبلُغ 1.007 مليارات درهم.

إلّا أن مفعول “الوقع الأخضر” استمر داعمًا تداولات شهر غشت، ليساهم ارتفاع مؤشر بورصة الدار البيضاء في زيادة ملحوظة للقيمة السوقية إلى 1 تريليون و54 مليار درهم؛ ما استرعى أيضا اهتمام محللي أسواق المال والأعمال، فضلا عن “ربحيّة السوق” التي تجتذب المستثمرين، بالتزامن مع دينامية أوراش مفتوحة بمختلف مدن المملكة.

وفي قراءتهم للطفرات الاستثنائية المتتالية لم يُخفِ محللون أن “سنة 2025 ستبقى استثنائية في تاريخ بورصة المغرب، لأنها شهدت تحطيم أرقام قياسية جديدة”، متوقعين أن “يستمر الزخم ثابتاً بدعم من مشاريع كأس العالم 2030 والآفاق الاقتصادية الإيجابية”.

“السوق الصاعد”

محمد عادل إيشو، خبير في الاقتصاد القياسي محلل في الشؤون المالية، أكد أن “تداولات الأسبوع الجاري بصَمت بورصة الدار البيضاء بطفرة استثنائية، إذ تمكن مؤشرها المرجعي ‘مازي” من تجاوز عتبة 20.000 نقطة لأول مرة في تاريخه، محققاً عائداً إجمالياً (Total Return) يفوق +35% منذ بداية السنة، وقال معلقاً: “هذا الارتفاع يترجم انتقال السوق من مرحلة تصحيحية سابقة إلى ما يمكن تسميته السوق الصاعد (Bull Market)، وهو سياق يعكس ثقة متزايدة في الأصول المالية المغربية”.

وعلى مستوى القيمة السوقية (Market Capitalization) فقد بلغت رسملة البورصة أكثر من 1,056 تريليون درهم، “وهو تطور يعزز عمق السوق (Market Depth) ويشير إلى تدفقات رأسمالية هامة من مستثمرين مؤسساتيين (Institutional Investors) ومَحافظ استثمارية تبحث عن تنويع جغرافي للأصول”، حسب قراءة إيشو متحدثا إلى جريدة جريدة النهار، وزاد شارحا: “هذا المستوى ينسجم مع ما يسمى نظرية تأثير الثروة (Wealth Effect)، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الأصول إلى تعزيز ثقة المستثمرين وبالتالي زيادة الاستثمارات”.

وبالانتقال إلى التحليل القطاعي “يَظهر أن الارتفاعات لم تكن متجانسة، بل قادتها بشكل رئيسي أسهم القطاع البنكي والصناعي (مثل البنك المغربي للتجارة والصناعة +6,06%، و”صوناسيد” للصلب +5,48%)”، وفق المتحدث ذاته، لافتا إلى أن ذلك “يعكس ما يُعرف في الأدبيات المالية بـ’مبدأ القطاعات القائدة– الرائدة’ (Leading Sectors)، حيث تستفيد القطاعات المرتبطة بالتمويل والإنتاج الصناعي من تدفقات استثمارية مبكرة مع كل موجة توسع اقتصادي”، وزاد: “في المقابل عرف قطاع الاستهلاك بعض الضغوط مع تراجع سهم شركة مختصة في الصناعات الغذائية الاستهلاكية بـ -5,98%، وهو ما يمكن تفسيره عبر نظرية دورة الأعمال (Business Cycle Theory)، حيث تتأخر بعض القطاعات الاستهلاكية في الاستفادة من الانتعاش مقارنة بالقطاعات المالية والصناعية”.

دينامية استثمارية متسارعة

محللاً من الزاوية الماكرو-اقتصادية فإن هذه القفزة تعكس، وفق المصرح ذاته، “دينامية استثمارية متسارعة مدفوعة بتوقعات إيجابية مرتبطة بمشاريع كأس العالم 2030، إضافة إلى الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والطاقة المتجددة”، مردفا: “هذا يتماشى مع نظرية التوقعات العقلانية (Rational Expectations Theory)، حيث تسعّر الأسواق المستقبل الاقتصادي المتوقع قبل تحققه، ما يفسر بلوغ المؤشرات مستويات قياسية قبل بدء المشاريع فعلياً”.

مع ذلك يستدرك الخبير الاقتصادي مؤكدا أن “الطفرة تحمل أيضاً مخاطر محتملة مرتبطة بظاهرة فقاعات الأصول (Asset Bubbles)، حيث قد تؤدي الارتفاعات المتسارعة إلى تقييمات مفرطة (Overvaluation)؛ ومن هنا يُتوقع أن تشهد السوق فترات من التصحيح السعري (Price Correction) في حال ضعف السيولة أو تعرض الأسواق العالمية لصدمات (مثل تشديد السياسة النقدية من البنوك المركزية الكبرى وفق نظرية أسعار الفائدة لكِينز Keynesian Interest Rate Theory).

وبحسب محمد عادل إيشو فإن “سنة 2025 تؤسس لمرحلة مفصلية في تاريخ بورصة المغرب، حيث اجتمعت عوامل محلية (إصلاحات سوق الرساميل، الدينامية الاستثمارية، توقعات كأس العالم)، مع عوامل خارجية (اهتمام متزايد من رؤوس الأموال الأجنبية بالأسواق الناشئة)”، خالصا: “هذه المكاسب القوية لا تعكس فقط ارتفاع أسعار الأسهم، بل تؤكد أيضاً تحوُّل البورصة المغربية إلى أداة تمويل إستراتيجي قادرة على مرافقة التحولات الاقتصادية الكبرى، بما يجعلها مرشحة لتصبح مركزاً مالياً إقليمياً خلال العقد القادم”.

تنشيط الدورة الاقتصادية

من جهته اعتبر المهدي فقير، المحلل المالي المتابع لتطورات أسواق الأعمال والمال، أن “استمرار بورصة الدار البيضاء في تحطيم أسقُف أرقام قياسية، سواء بالنسبة للمؤشر الرئيسي أو رسملة البورصة، يمثل محطة فارقة في مسار السوق المالية المغربية، إذ يعكس دينامية جديدة من شأنها تحفيز المستثمرين المحليين والدوليين على ضخ رساميل إضافية لدعم مشاريع التمويل وتنويع قنواته خارج النمط البنكي التقليدي”.

وأوضح فقير، ضمن تصريح لجريدة النهار، أن “الأداء القوي المسجل منذ مطلع السنة المالية الحالية 2025 يرتبط بشكل وثيق بمفعول طفرات متنوعة (…) وكان أحد العوامل البارزة الفاعلة في تحقيق ذلك هو اندماج شركات فاعلة في قطاعات كبرى كالصحة والأشغال العمومية والبناء، وهو ما منح السوق زخماً واضحاً”.

وزاد المتحدث مبيّناً أن “ارتفاع رسملة البورصة لا ينبع بالأساس من مضاربات عابرة، بل من عمليات رفع رؤوس أموال لشركات كبرى، تزامناً مع إدراج مقاولات جديدة وثقة متزايدة في أوساط المستثمرين الدوليين والوطنيين”، لافتا إلى أن “الأوراش الجارية على قدم وساق وتفاعلات تمويلها تزكّي هذه النتائج الإيجابية”.

وفي هذا السياق استحضر المصرح ذاته أن المغرب، باعتباره بلد الأوراش الكبرى في البنية التحتية استعدادا لاحتضان “الكان” متم السنة و”المونديال” بحلول 2030، “يجد في هذا التطور المالي سنداً أساسياً لمواكبة المشاريع الإستراتيجية وتنشيط الدورة الاقتصادية”.

كما شدّد المحلل المالي على “أهمية تثمين هذا الزخم لتعزيز شفافية التداولات وتوسيع قاعدة الولوج إلى البورصة، بما يسمح للشركات المتوسطة بالاستفادة من فرص التمويل”، خالصًا إلى أن “تجاوز عتبة الألف مليار درهم في الرسملة، في ظرف أقل من شهرين فقط، يجسد التكامل بين الاقتصاد الحقيقي وأسواق الرساميل، باعتبارها رافعة للتمويل ومصدراً لزيادة الثقة وتعبئة المدخرات، بما يسهم في خلق قيمة اقتصادية مضافة تفوق راهنية العوائد المالية المباشرة”.

Exit mobile version