
أمريكا تشدد الرقابة على نظام زراعة الأعضاء بعد سلسلة من الفضائح الطبية
شرعت الحكومة الفيدرالية الأمريكية في تنفيذ إصلاحات واسعة على نظام زراعة الأعضاء في البلاد، بعد أن كشفت تقارير صحافية وتحقيقات رسمية عن تجاوزات خطيرة شابت عمل منظمات التبرع بالأعضاء؛ مما أثار جدلا واسعا حول معايير السلامة والعدالة في إدارة هذا القطاع الحيوي.
وجاءت هذه الخطوات عقب تحقيقات صحافية وتقصيات أجراها الكونغرس، كشفت عن إخفاقات متكررة من جانب منظمات التبرع بالأعضاء؛ وهي هيئات غير ربحية تنشط على مستوى كل ولاية لتنسيق عمليات التبرع. أحد أبرز الأمثلة على ذلك منظمة في ولاية كنتاكي، حيث تجاهلت تحذيرات طبية بشأن مؤشرات تعافٍ ظهرت على مرضى كانوا يُحضرون لاقتطاع أعضائهم.
وفي مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز”، أوضح الدكتور ريموند لينش، مدير برنامج الزراعة في إدارة الموارد الصحية والخدمات الإنسانية (HRSA) التابعة لوزارة الصحة الأمريكية، أن الهدف من هذه الإجراءات هو “ضمان استمرارية الثقة في التبرع بالأعضاء باعتباره خدمة عامة نبيلة”، مؤكدا أن النظام سيصبح “أكثر أمانا وموثوقية”.
وتشمل الإجراءات الحكومية الجديدة فتح تحقيقات مع منظمات تبرع أخرى متهمة بإرسال الأعضاء إلى مرضى لا يحتلون مراتب متقدمة على قوائم الانتظار؛ ما يُعد مخالفة صريحة لمبدأ تكافؤ الفرص.
ووفق ما ورد، يجري التركيز، حاليا، على عمليات التبرع بعد توقف الدورة الدموية؛ وهي ممارسة حساسة تتطلب قرارات سريرية دقيقة، إذ لا يكون المريض ميتا دماغيا بالكامل، بل في غيبوبة غير قابلة للشفاء، ويتم انتظار توقف القلب قبل استخراج الأعضاء.
وحسب تحقيقات “نيويورك تايمز”، فإن عددا من الحالات شابها إهمال خطير؛ من بينها امرأة في نيو مكسيكو استردت وعيها قبل لحظات من تنفيذ عملية نزع الأعضاء، وأخرى في ألاباما اكتشف الأطباء أنها لا تزال على قيد الحياة بعد بدء التدخل الجراحي.
وقد دفعت هذه الانتهاكات اللجنة الصحية في مجلس النواب الأمريكي إلى عقد جلسة استماع طارئة؛ فيما يستعد مجلس الشيوخ، الأسبوع المقبل، لمناقشة الملف مع روبرت كينيدي جونيور، وزير الصحة.
الشكوك المتزايدة انعكست بشكل مباشر على ثقة الجمهور، حيث أشار تقرير صادر عن منظمة “دونيت لايف أميركا” إلى أن أكثر من 20 ألف شخص طلبوا إزالة أسمائهم من سجلات المتبرعين، الشهر الماضي وحده. ويُذكر أن حوالي 174 مليون أمريكي كانوا مسجلين كمتبرعين بالأعضاء حتى بداية هذا العام.
وعلى الرغم من تأكيد الجمعية الوطنية لمنظمات التبرع بالأعضاء أن الأخطاء الطبية “نادرة”، فإن التراجع في أعداد المسجلين أثار قلقا واسعا في ظل وجود أكثر من 100 ألف مريض على قوائم الانتظار في مختلف أنحاء البلاد.
ولاحتواء الأزمة، شكلت وزارة الصحة فريق عمل خاصا لصياغة قواعد جديدة تنظم التبرع بعد توقف الدورة الدموية، على أن تنجز توصياته قبل نهاية نونبر من السنة الجارية. كما باشرت بعض المنظمات المحلية بمراجعة بروتوكولاتها؛ مثل المنظمة في كنتاكي، التي أدخلت تعديلات شملت تدريب الطواقم وإجراء فحوصات عصبية دورية للمتبرعين المحتملين.
إلى جانب ذلك، تجري شبكة زراعة الأعضاء الوطنية (OPTN) تحقيقات داخلية بناء على الحالات التي كشفت عنها الصحيفة. وقررت اللجنة المشرفة فرض عقوبات على منظمة في ولاية فيرجينيا الغربية، رغم امتناعها عن الإدلاء بأية تعليقات رسمية حتى الآن.
ومن جهة أخرى، بدأت الحكومة باتخاذ تدابير لتحسين العدالة في تخصيص الأعضاء، بعد أن أظهرت تقارير أن بعض المنظمات تجاوزت المرضى المسجلين لصالح متلقين أقل أولوية، تحت ذريعة تجنب تلف الأعضاء أو لتسهيل عمليات النقل إلى مستشفيات بعينها.
وأفادت “نيويورك تايمز” بأن هذه التجاوزات شملت نحو 20 في المائة من العمليات خلال العام الماضي، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 3 في المائة قبل سنوات قليلة.
البيانات الأخيرة تشير إلى انخفاض طفيف في وتيرة هذه التجاوزات، لتصل إلى أقل من 18 في المائة خلال الربع الثاني من العام الجاري. وشملت التحسينات منظمات ظهرت أسماؤها في تقارير الصحيفة، مثل تلك العاملة في ميامي ومينيسوتا.
كما أنهت منظمة “لايف بانك” في كليفلاند اتفاقا مثيرا للجدل مع مستشفى كليفلاند كلينك، كان يُعتقد أنه يؤدي إلى توجيه الأعضاء إلى المستشفى خارج ترتيب الأولوية.
وأكدت وزارة الصحة أن مخالفة قوائم الانتظار لن تُغض عنها، وأن أي منظمة تستمر بتجاوز الترتيب ستُواجه عقوبات، مع نشر بيانات علنية عن نسبة المخالفات في كل مؤسسة، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.
وختمت “دونيت لايف أميركا” تحذيرها بالقول: “كل تراجع في عدد المسجلين كمتبرعين يعني فقدان فرص إنقاذ أرواح لمرضى ينتظرون عضوا ينقذ حياتهم”.