دراسة صادمة: عداؤو الماراثون أكثر عرضة لخطر الإصابة بسرطان القولون

أثار تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” جدلا واسعا بعد تسليطه الضوء على دراسة أولية تشير إلى احتمال وجود علاقة بين العَدْو لمسافات طويلة والماراثون وبين زيادة مؤشرات خطر الإصابة بسرطان القولون لدى فئة عمرية شابة نسبيا.

الدراسة، التي لم تُنشر بعد في دورية علمية محكمة وعُرضت نتائجها خلال مؤتمر للجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري، أجراها الدكتور تيموثي كانون؛ وهو اختصاصي أورام في مركز “إينوفا شار” للسرطان بولاية فرجينيا.

انطلقت الدراسة من ملاحظة سريرية أدهشت الطبيب؛ فقد التقى بثلاثة عدائين شباب، أصغرهم في الثلاثينيات وأكبرهم لم يتجاوز الأربعين، كانوا جميعهم في حالة بدنية ممتازة، دون أي عوامل خطر معروفة، لكنهم شُخصوا بسرطان القولون في مراحل متقدمة. هذا ما دفعه إلى استقصاء الأمر علميا، فاختار عينة تتكون من مائة عداء تتراوح أعمارهم بين 35 و50 عاما، ممن يواظبون على خوض سباقات الماراثون والعدو الطويل.

النتائج فاقت التوقعات، إذ أظهرت الفحوصات أن نحو نصف المشاركين يحملون سلائل قولونية؛ وهي أورام حميدة قد تتحول إلى خبيثة. الأكثر إثارة للقلق هو أن 15 في المائة من هؤلاء كانت لديهم سلائل متقدمة تشكل خطرا أعلى للتحول السرطاني.

هذه النسبة، حسب التقرير، تتجاوز كثيرا المعدلات المعتادة بين السكان في هذه الفئة العمرية، والتي تتراوح بين 4.5 في المائة و6 في المائة؛ بل وتتخطى حتى المعدل المرتفع المسجل لدى سكان ألاسكا، المعروفين بارتفاع معدلات إصابتهم بسرطان القولون.

من بين من شاركوا في الدراسة لورا لينفيل، وهي عداءة تبلغ من العمر 47 عاما من ولاية فيرجينيا، أُبلغت خلال الفحص بوجود سبع سلائل في قولونها، بعضها استدعى تدخلات إضافية. عبرت عن دهشتها من النتيجة قائلة إنها لطالما ربطت الجري بالصحة الجيدة، ولم تتخيل يوما أنه قد يخفي مخاطر من هذا النوع؛ لكنها رغم ذلك، لا تنوي التوقف عن الجري، بل قررت الالتزام ببرنامج رصد صحي منتظم.

الخبراء الذين تحدثت إليهم “نيويورك تايمز” انقسموا في تفسير النتائج؛ فبينما رأى البعض أن الدراسة تثير إشارة مهمة تستدعي توسيع البحث، شدد آخرون على أنها تفتقر إلى مجموعة مقارنة من غير العدائين. كما لم تُدرس بشكل مفصل الخلفيات الوراثية للمشاركين.

الدكتور ديفيد روبين، رئيس قسم الجهاز الهضمي في جامعة شيكاغو، لفت إلى أن بعض العدائين قد يكونون أكثر ميلا لتجاهل أعراض هضمية مهمة؛ مثل الإسهال المتكرر أو الدم في البراز، نتيجة اعتيادهم على اضطرابات تُعرف باسم “إسهال العداء”، وهي ظاهرة معروفة لدى ممارسي الرياضات الشاقة.

ثمة فرضيات فسيولوجية طرحت أيضا؛ منها أن الجهد البدني المكثف قد يؤدي إلى تقليل التروية الدموية المؤقتة للقولون أثناء الجري، وهو ما يُعرف بالتهاب القولون الإقفاري. هذه الحالة قد تكون عابرة؛ لكنها إذا تكررت فقد تتسبب في أضرار نسيجية تؤسس لعمليات تحول مرضي على المدى البعيد.

ويأتي هذا النقاش في سياق القلق المتزايد داخل الأوساط الطبية من ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم بين البالغين دون سن الخمسين، وهي فئة عمرية كانت تُعد سابقا ذات خطر منخفض. وقد دفعت هذه الاتجاهات إلى مراجعة التوصيات الصحية، فخُفض سن الفحص الأولي إلى 45 عاما بدلا من 50، حتى بالنسبة للأشخاص غير المصنفين ضمن الفئات المعرضة للخطر.

وعلى الرغم من أن التقرير لا يقدم إجابة قاطعة، فإنه يفتح بابا مهما للنقاش حول أثر النشاط البدني المكثف على الجسم وضرورة أن ترافقه مراقبة طبية دقيقة، لا سيما إذا اقترنت بظهور أعراض غير معتادة، في وقت يشدد الخبراء على أن الجري يبقى رياضة ذات فوائد عديدة، معتبرين أن الأمان الصحي لا يتحقق فقط عبر اللياقة البدنية؛ بل أيضا من خلال الوعي والتشخيص المبكر.

Exit mobile version