على طول شارع زونين آليه بحي نويكولن في العاصمة الألمانية، يلتقي رجال أمام مقاهي الشيشة، بينما تدفع نساء محجبات عربات أطفال أمام محال للحلويات الشرقية. مشهد بات مألوفا في برلين، يعكس حجم التحولات الاجتماعية والديمغرافية التي شهدتها ألمانيا منذ موجة الهجرة الكبرى عام 2015، حين استقبلت البلاد في أشهر قليلة قرابة مليون شخص قادمين من سوريا وأفغانستان والعراق.
في نظر التقدميين، يشكل الحي رمزا لـ”ألمانيا الجديدة”، متعددة الثقافات والمنفتحة، التي سعت إلى تجاوز ماضيها النازي عبر سياسات استقبال اللاجئين. أما المحافظون فيرونه دليلا على فشل الاندماج، وبوابة لصعود حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، الذي أصبح اليوم ثاني أكبر قوة سياسية في البلاد.
تضم ألمانيا حاليا أكثر من 25 مليون شخص من أصول مهاجرة، أي نحو 30% من السكان. بينهم أكثر من مليون سوري، جالية لم يكن لها حضور وازن قبل عشر سنوات. وقد ترك هؤلاء بصمة ثقافية واضحة: كلمات عربية دخلت إلى لغة الشباب اليومية مثل “يلا” و”حبيبي”، وموسيقى الراب العربية صارت جزءا من المشهد الفني المحلي. كما بات تدريس العربية خيارا في مدارس عدة.
لكن الاندماج لم يكن سهلا للجميع. فوفق معهد أبحاث التوظيف، يعمل ثلثا اللاجئين الذين وصلوا عام 2015، غير أن معدلات البطالة بينهم ما زالت أربعة أضعاف المعدل الوطني. كما يحصل نحو 44% منهم على إعانات اجتماعية، ما أثار نقاشا محتدما حول قدرة السلطات المحلية على الاستيعاب، خصوصا مع استمرار تدفق وافدين جدد، بينهم لاجئون أوكرانيون.
على الرغم من هذه التحديات، ترى الأوساط الاقتصادية أن ألمانيا، أكبر قوة اقتصادية في أوروبا، لن تستطيع الاستغناء عن اليد العاملة المهاجرة. فقد توقع المعهد الألماني للدراسات الاقتصادية (DIW) عجزا قد يصل إلى 768 ألف عامل بحلول 2028، في قطاعات حيوية كالنقل، والصناعات الغذائية، والرعاية الصحية، والبناء، ويمثل الأجانب 15% من العاملين في قطاع الصحة، بينهم خمسة آلاف طبيب سوري، كان لهم دور محوري في سد الخصاص.
في المشهد السياسي، تختلف المقاربة الحالية جذريا عن سياسات المستشارة السابقة أنغيلا ميركل. فالمستشار الجديد فريدريش ميرتس شدد منذ وصوله إلى السلطة على الرقابة الحدودية وقوانين التجنيس ولمّ الشمل، بل أعاد مهاجرين أفغانا إلى بلادهم رغم استمرار حكم طالبان. هذه الإجراءات، التي يصفها البعض بالضرورية، يرى فيها آخرون تراجعا عن “ثقافة الترحيب” التي ميزت ألمانيا قبل عقد.
وقد استفاد حزب البديل من أجل ألمانيا من التوترات المرتبطة بالهجرة، خصوصا بعد أحداث كولونيا ليلة رأس السنة 2016، وما تبعها من حوادث دهس وطعن تورط فيها طالبو لجوء. وفي انتخابات فبراير 2025، حصد الحزب نسبة تاريخية بلغت 20,8%، معيدا ملف الهجرة إلى قلب النقاش العام.
تُظهر إحصاءات الشرطة أن أعمال العنف ارتفعت بنحو 20% خلال العقد الماضي، وأن 35% من المشتبه بهم في 2024 كانوا أجانب، معظمهم من الشباب والذكور المقيمين في المدن الكبرى. غير أن خبراء الجريمة يحذرون من التهويل، مؤكدين أن العوامل الاجتماعية والديمغرافية تلعب دورا حاسما في هذه الأرقام. في المقابل، ارتفعت جرائم الكراهية ضد الأجانب بنحو الثلث، لتسجل 19.500 حالة في عام واحد، ما يعكس أيضا هشاشة وضع المهاجرين.
دراسة حديثة لمعهد أبحاث التوظيف كشفت أن واحدا من كل أربعة مهاجرين يفكر في مغادرة ألمانيا، لأسباب ترتبط بالضرائب المرتفعة، والبيروقراطية، والشعور بالعزلة الثقافية. ومنذ دجنبر 2024، عقب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، عاد نحو أربعة آلاف سوري إلى بلدهم، وفق بحث أجرته القناة العامة “ARD”.