Site icon جريدة النهار المغربية – Alnahar

عبد الرحيم بورقية: السياق الاجتماعي والاقتصادي أحد عوامل ممارسة الشباب لأعمال الشغب في التجمعات الجماهيرية (حوار)

عبد الرحيم بورقية: السياق الاجتماعي والاقتصادي أحد عوامل ممارسة الشباب لأعمال الشغب في التجمعات الجماهيرية (حوار)

ينظر علم الاجتماع إلى أعمال الشغب التي يحدثها أو يشارك فيها أشخاص من فئة اليافعين والشباب، خلال تجمعات جماهيرية كبيرة إلى أنها نتاج عوامل متعددة، مركبة ومتداخلة، كما يفيد الدكتور عبد الرحيم بورقية، سوسيولوجي ومستشار في الانحراف والسياقات الاجتماعية، أستاذ في علم اجتماع الرياضة بمعهد علوم الرياضة بجامعة الحسن الأول سطات.

في الحوار التالي، يقدم الباحث السوسيولوجي تشخيصا لبعض أحداث الشغب، يفسر بعض عواملها من الناحية الاجتماعية كما يقدم بعض المقترحات التي قد تساهم في توفير حلول لها، تهم التركيز على دور التنشئة الاجتماعية من خلال مؤسسة المدرسة ثم مراجعة السياسات العمومية الخاصة بمجال الشباب.

 

ما هو تشخيصكم للأسباب الكامنة وراء حالات الشغب؟
أسباب العنف متعددة ومركبة، ما يجعل لأحداث الشغب أسبابا متداخلة فيما بينها يمكن أن نتكلم معها عن عالم وعقلية ما يعرف بـ”الألتراس”، التي تعرف ممارسة الشباب لأنشطة تحمل في طياتها عنفا موجها للمجموعات المنافسة. وهي أعمال عنف تنقسم إلى عنف رمزي وآخر مادي صرف. هذه العقلية العابرة للقارات والتي لا تعترف بالحدود، هي ظاهرة “مستوردة” لا تتورع عن استعمال العنف ضد الآخر المنافس، ضد المواطن الآمن الذي لا علاقة له بهذه المجموعات كما الأمر بالنسبة إلى رجل الأمن.

 

كيف تنشأ السلوكات العنيفة لمجموعات المشجعين والتي تزوغ عن مسار التشجيع لتأخذ شكل أعمال عنف؟ 
غالبا ما تكون الأجواء المشحونة بين مجموعات المشجعين بشكل مسبق، إلا أن أعمال العنف الرمزي غالبا ما تكون نقطة البداية واندلاع الشرارة الأولى بين الجانبين، تأخذ شكل تبادل الملاسنات قبل انطلاق المواجهة المباشرة يوم المباراة، ويجري نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن تترجم على شكل مواجهة مباشرة داخل المدرجات حيث يسعون من خلالها إلى الثأر من مواجهات سابقة، وكذلك  أثناء المباراة من خلال حمل لافتة أو “تيفو” يتضمن رسالة مستفزه أو مهينة.
عموما ترتبط أعمال الشغب والعنف بالسياق الاجتماعي والاقتصادي لليافعين والشباب المتورطين في مثل هذه الأعمال، كما قد ترتبط بأسباب تنظيمية تسائل الاحترافية والمهنية والخبرة للساهرين على التنظيم إلى جانب مساءلتها لعقلية الجماهير التي تتوافد على الملاعب لتفادي حوادث مؤسفة، من قبيل الحادث المؤسف الأخير الذي كان ضحيته شابة مشجعة.

 

من وجهة نظر التحليل السوسيولوجي، كيف تفسرون ارتكاب أعمال الشغب والفوضى في مناسبات تستقطب جماهير عريضة من الشباب واليافعين؟
هناك فئة من الشباب يتبنون معايير اجتماعية جديدة ويشعرون بالتهميش والاستبعاد والوصم فيسعون إلى العثور على شكل آخر من أشكال الانتماء. هم ضحية هموم جديدة وتوجه استهلاكي يفرض نفسه عليهم دون أن يمتلكوا مؤهلات خاصة للاندماج في سيرورة ذلك، ما يعزز لديهم الإحساس بالتهميش والإحباط لعدم قدرتهم على فرض مكان لهم في المجتمع. 
جل هؤلاء الشباب يحملون قيما ثقافة فرعية “منحرفة” تختلف عن المعايير الاجتماعية لمكونات المجتمع، ومنها حظوة الشخص المحكوم عليه بفترة سجنية باحترام أتباعه. يخضع هؤلاء الشباب للتأثير السيء وينخرطون في ممارسات جديدة للتبادل الاجتماعي وأشكال الاتصال الأخرى. كل ذلك يشكل انعكاسا للمشاكل التي ابتلي بها المجتمع. هناك بعض الفئات التي تجد ضالتها في الفوضى لتمارس أعمال شغب وعنف، بينهم يافعون وجانحون اتخذوا من ممارسة العنف وسيلة للتعبير عن وجودهم لجهلهم بوجود أشكال تعبيرية أخرى.

 

كيف ترون دور التنشئة الاجتماعية عبر مؤسساتها في الحد من الظاهرة وضمنها المدرسة؟
المدرسة تعد الفاعل الثاني والأساسي في التنشئة الاجتماعية بعد الأسرة، هي مؤسسة اجتماعية جوهرية تفي بالمهام الأساسية للمجتمع على مستوى التعليم والتنشئة الاجتماعية. المدرسة تشارك في تطوير المعرفة وإتقان القواعد الاجتماعية وتعلم الثقافة المشتركة، إلا أنه، حاليا، نواجه إشكالية عجز المدرسة عن أداء دورها الأساسي المنوط بها.
الأمر يستدعي إعادة النظر في الدور التربوي للمدارس العمومية ودعم دور الشباب وفرق الأحياء وتسهيل الولوج إلى المراكز الرياضية والثقافية، مع ضرورة الاستثمار في الشباب، سيما من خلال العمل مع الأطفال واليافعين للمساهمة في تغيير نظرتهم لأنفسهم ولباقي أفراد المجتمع وللحياة عامة.
المدرسة، كإحدى مؤسسات التنشئة الاجتماعية، من شأنها أن تصقل وتشد عضد المجتمع حين يكون التماسك الاجتماعي أكثر هشاشة، وهي حصن ضد إضعاف الروابط الاجتماعية لأنها تساعد على تشكيل ضمير جماعي من خلال المعايير والقيم التي تنقلها، والتي تتعلق بمجالات مختلفة، منها الدين، الوطنية والمؤسسات الضامنة للأمن والأمان.
عموما، المدرسة تلعب دورا مهما في تدريب وتأهيل نساء رجال الغد لما تسمح به للطفل من فرص متكافئة لتنمية شخصيته وازدهاره وتلقي تأثيرات أخرى غير تلك الخاصة بأسرته، فمن خلال جميع التفاعلات الاجتماعية، يبني الطفل هويته الخاصة، لتحصينه من تأثره، في العصر الحالي، لأن الطفل أو اليافع يتأثر أكثر بالتلفزة، وهنا نتساءل عن الدور التثقيفي للتلفزة، كما يتأثر بمواد الشبكة العنكوبوتية وبقصص نجاح وهمية يروج لها بعض ما بات يصطلح عليه بـ”المؤثرين”.

 

هل توجد بعض التدابير لتفادي الحوادث التي قد تصاحب حضور الجماهير إلى الفضاءات التي تستقبل جماهير عريضة؟
سيكون من غير المفيد إلقاء اللوم على طرف دون الآخر عن وقوع حوادث خطيرة أو مميتة، ذلك أنه من واجب الجميع، كل حسب مجال عمله ومسؤوليته، تحمل كامل مسؤولياته.
المسؤولية مشتركة بين المنظمين من جهة، والوافدين على الملاعب لمتابعة مباريات كرة القدم، كل منهم  يتوجب عليهم إنجاح هذه اللقاءات، سواء أكانت رياضية أو فنية، لأن نجاحها أو فشلها ما هو إلا صورة تعكس طبيعة المجتمع ولطريقة تعامل وتواصل الأفراد بعضهم ببعض. فضاء الملعب ما هو إلا مرآة للمجتمع، ما يتطلب أن يكون مكانا للعيش المشترك وللتجمعات والتفاعلات السلمية كما نرى ذلك في بعض الدول، حيث تعتبر مهد المباريات الكروية التاريخية وعالم “الألتراس” الذي يحاكيه وتبرع فيه الجماهير المغربية. الطموح يكمن في أن تجلس الجماهير متقاربة دون تقسيم أو حاجز أمني، في أجواء يحترم فيها جمهور كل فريق جمهور الفريق الآخر، خلالها يمكن للجماهير تبادل “التيفو” ولافتة الجمهور دون ارتكاب أعمال تمزيق. وهي سلوكات حضارية من شأنها تحويل مكان الملعب إلى فضاء ينسج فيه المرء روابط اجتماعية مع الآخرين في إطار علاقات خالية من سلب الممتلكات أو من أعمال عنف، سواء قبل أو خلال أو ما بعد انتهاء المباراة.
إلى جانب دور المدرسة، الأمر يتطلب تغيير نظرة المسؤولين عن وضع السياسات العمومية التي تهتم باليافعين والأطفال والشباب وذلك باتخاذ مختلف شروط تسهيل الولوج إلى الرياضة والثقافة، كونها درعا واقيا لزرع أساسيات العيش المشترك والوطنية وتكوين مجتمع قوي ومتين قادر على مواجهة التحديات المستقبلية. إن أعمال أحداث الشغب والعنف لا يجب أن تمر مرور الكرام، بل يجب الوقوف عندها والعمل على الحد منها بمقاربة تشاركية، أمنية واجتماعية لأنها مرآة المجتمع.
الحديث عن أعمال تنظيمية معينة أيضا في مثل هذه الحوادث، ما يتطلب تفادي أي أعمال عنف تجاه المتفرجين والمشجعين الذي يتوجهون إلى الملعب لمشاهدة فريقهم المفضل ويقتنون من أجل ذلك تذكرتهم.
في هذا السياق، أعتقد أن المقاربة الأمنية ضرورية وفعالة، لكن ليست وحدها كافية. الردع والزجر وتنفيذ القانون وتطبيق العقوبات على المخالفين مطلوب، لكن لا بد أن يكون ذلك موازاة مع استحضار المقاربة الاجتماعية كونها الأنجع لاحتواء هذه الظاهرة على المدى المتوسط والبعيد. وهي إجراءات تهدف إلى اجتثاث العنف من منابعه عبر الاشتغال بشكل مبكر مع فئة الأطفال والقاصرين واليافعين باعتبارهم الفئة الأكثر ضلوعا في أعمال العنف والتخريب داخل وخارج الملعب.

Exit mobile version