Site icon جريدة النهار المغربية – Alnahar

واد أبي رقراق يختنق والمواطنون يستغربون من صمت المسؤولين

واد أبي رقراق يختنق والمواطنون يستغربون من صمت المسؤولين

“للأسف لم أكن أظن أنه سيأتي يوم ونشتم رائحة كريهة تنبعث من واد تغنى به أكبر الشعراء والفنانين”، “نريد من الجهات المختصة دون استثناء أن تتدخل بشكل عاجل للوقوف على أسباب تلوث هذا الوادي الجميل، الذي يربط بين العدوتين وتحديد المسؤوليات”.

كان هذا كلام إحدى السكان المجاورين لواد أبي رقراق، وتحديدا بمدينة سلا، وتابع قائلا”: ما نطالب به هو أن يعود واد أبي رقراق إلى حالته الطبيعية”، الشيء ذاته أكده محمد ـ ت، من زوار “مارينا”، وانتقد الوضع الذي يشهده هذا الوادي، مرددا بصوت عال “أين منتخبي المدينة، ماهذا الصمت الرهيب”، “نطالبهم بمعاينة الوادي وإنقاذه من التلوث”. وأما سفيان، طالب جامعي، فيرى أنه ليس كافيا أن يزور بعض المستشارين الوادي، بل يقول “يجب اتخاذ إجراءات وتدابير استعجالية لتجاوز هذا الوضع المقلق”. شهادات هؤلاء المستجوبين لم تكن اعتباطية، لأنه بمجرد اقترابنا من مدخل “مارينا”، زكى انبعاث رائحة كريهة من الوادي صدق كلامهم، كما لمحنا من بعيد أسماكا نافقة، ما يؤكد أن الوضع البيئي بالمنطقة مقلق ويستدعي تدخلا سريعا.

رائحة نتنة

 رائحة نتنة تزكم الأنوف، تشتم على بعد كيلومترات من واد أبي رقراق الشهير الفاصل بين العدوتين (سلا والرباط) والعابرين لقنطرة الحسن الثاني. هذا التلوث لم يبق حبيس مكان واحد بل وصل إلى محيط مشاريع الكبرى شيدت على ضفاف النهر، من قبيل المسرح الكبير وبرج محمد السادس. رغم وضع زوار الوادي والصيادين وهواة الصيد للكمامات، فإن الرائحة الكريهة اخترقتها لتصل إلى الرئتين حيث الشعور بضيق في التنفس، ما جعلهم يوجهون اللوم إلى مسيري الشأن المحلي بالمدينة. وصدحت حناجر هؤلاء المواطنين مطالبة بتدخل عاجل للمسؤولين من أجل إنقاذ الوادي من هذا الخطر البيئي، إذ أكد أغلبهم على ضرورة حمايته من التلوث، علما أن الروائح الكريهة وصل آثارها إلى الميناء الترفيهي “مارينا”. وفي هذا السياق، قال محمد، نادل بمطعم “لا يعقل أن أموالا باهظة صرفت على هذا المشروع الذي يستقطب يوميا عددا من الزوار، أن تنبعث في أجوائه رائحة كريهة”.

شباك الصيادين… فارغة

 طال انتظار صيادي واد أبي رقراق ساعات طوال، من أجل اصطياد سمك “السنور”، لكن شباكهم كانت تارة تصعد فارغة، وأخرى تحمل أسماكا نافقة وسرعان ما يتغير لون وجوهها، بتغير لون الوادي الذي تحول من الزرقة إلى السواد. قال صياد تقليدي “كيف يمكننا أن نصطاد قوتنا، ومياه النهر أصبحت سوداء، كل أسماك الصنور نفقت”. كان الصياد يتحدث إلينا وهو يضع يديه على جبينه، ضننا أن الأمر يتعلق برغبته في حجب أشعة الشمس الحارقة، لكنه أكد أنه يشعر بألم حاد في الرأس “الشقيقة” بسبب الرائحة الكريهة المنبعثة من مطرح أم عزة. وردد بصوت حزين” نعيش أياما صعبة في النهار والليل حيث تنبعث رائحة كريهة بدرجة عالية، ونضطر إلى إغلاق النوافذ حتى لا تتسرب إلى منازلنا وتتسبب لأطفالنا في اختناق حاد”. وختم صياد ثان قوله ” هذا مؤسف ومؤسف جدا أن تظل الجهات المعنية صامتة ونحن نموت بسبب هذه الروائح وفقدان مصدر عيشنا”، “لكن لا يسعنا إلا أن ننتظر أجوبة المسؤولين”. معاناة الصيادين مع تلوث الوادي، طالت أيضا هواة الصيد الذين يأتون من أحياء بعيدة من أجل ممارسة هواية الصيد، لكن الرائحة التي تزكم الأنوف جعلتهم يهجرون المكان، ويناشدون الجهات المختصة بالتدخل من أجل إنقاذ الوادي من التلوث، باعتباره المتنفس الوحيد الذي يلجأون إليه في زمن كورونا من أجل الترفيه عن أنفسهم ونسيان ما حملته الجائحة من قلق ورعب في نفوسهم. وفي هذا الصدد ردد هشام، طالب جامعي من هواة الصيد، قال “اليوم أذرفت الدموع لا لأبكي على فقدان شخص عزيز، ولكن لأرثي هذا الوادي الجميل الذي تحول إلى مستنقع بسبب التلوث”، ” أين أصحاب الضمائر الحية، أين منتخبونا”. واستطرد هشام قائلا “ألا يعلمون أن عصارة الليكسيفيا تحمل مواد خطرة ستتسبب في جفاف هذا الوادي”. وحسب المستجوبين فإن تلوث الوادي، تسبب أيضا في نفوق بعض رؤس الأغنام التي تشرب من جنبات النهر، إذ أكدوا تلوث مياه الوادي هي نتيجة مواد سامة سببها عصارة النفايات المتسربة من مطرح أم عزة البعيد بحوالي 30 كيلومترا شرق العاصمة . وبدا من كلام بعضهم أن هناك اختلافا في الآراء حول السبب الحقيقي وراء انبعاث الروائح الكريهة وتغير لون الوادي، إذ القلة اعتبرت الأمر يتعلق برمي بقايا الزيتون من إحدى المعاصر الكائنة بالولجة، وآخرون أكدوا فرضية تصريف المياه العادمة، والبعض الآخر أثبت باليقين أن الأمر يتعلق بعصارة الليكسيفيا، ومردهم في ذلك هو انبعاث الروائح الكريهة التي لها ارتباط بالأزبال.

المجتمع المدني.. يدق ناقوس الخطر

 انتقد عدد من الفاعلين الجمعويين عدم تفاعل منتخبي المدينة معهم من أجل تفسير وتوضيح مصدر هذا التلوث. وفي هذا الصدد أصدرت الشبكة البيئية رقراق، التي تضم أربع جمعيات تشتغل في ميدان البيئة، بلاغا بخصوص هذا التلوث الذي لحق واد أبي رقراق دعت من خلاله الوزارات والسلطات المعنية إلى تدارك الوضع بسرعة واتخاذ التدابير الضرورية لوقف هذا التدهور البيئي. وكانت الشبكة نبهت السلطات المعنية إلى التلوث الناتج عن تسرب المياه العادمة من سجن العرجات ومياه الصرف الصحي للسوق الأسبوعي الخميس ومدينة سيدي علال البحراوي، التي ما زالت تصب في النهر رغم وعود السلطات منذ سنة 2018، حسب الشبكة. كما أن شهادات من مختلف الفاعلين، تؤكد حجم الضرر البيئي والمادي الذي لحق الوادي والصيادين والمحيط بأكمله جراء تلوث شريانِ العاصمة، ودعت في هذا الجانب، الجهات الوصية إلى فتح تحقيق مستعجل في الموضوع. وأما جمعية الشباب النشيط بسلا، فاعتبرت تلوث مياه النهر يهدد صحة السكان، ويضرب لقمة عيش الصيادين التقليديين في العمق بسبب نفوق الأسماك،. وحملت المسؤولية إلى السلطات المحلية بسلا، كما عبرت عن استغرابها من صمت مسؤولي العاصمة الرباط. من جهتها أكدت جمعية الأوراش والثقافات أن هذه الكارثة لا يمكن السكوت عنها، لأنها تهدد بالدرجة الأولى صحة السكان المجاورين لنهر أبي رقراق، واعتبرتها جريمة تهدد ثانيا الثروة السمكية التي تعد مصدر عيش فئة عريضة من الصيادين التقليديين، وبالتالي طالبت بإيجاد حل مستعجل لهذه المعضلة.

انتظار نتائج المختبرات

 أفاد مصدر من قطاع البيئة أنه لم يتم الحسم بعد في مسألة أسباب تلوث الوادي، ذلك أنه مازال مجهولا، وتنتظر نتائج المختبرات لترتيب الجزاءات في حق كل من تبث تورطه في هذا الجرم البيئي. وقال المصدر ذاته أن تلوث نهر أبي رقراق لم يعرف مصدره، موضحا أن المختبرات تنجز التحاليل للوقوف على الجهة أو الشركة المسببة لهذا التلوث، موضحا أنه بصدور تقارير ونتائج هذه التحاليل التي تنجز بشراكة بين وزارة البيئة وشركة ريضال ووكالة الحوض المائي، وبالتالي سترتب الجزاءات على الجهة المسببة في التلوث. وعزت مصادر متطابقة السبب إلى أن أحواض عصارات النفايات التي ظلت سنوات دون تصريف أو معالجة، هي من تسربت إلى الآن إلى واد أبي رقراق وتسببت في تغير لونه ونفوق أسماكه. واعتبرت المصادر ذاتها أن أغلب الشركات التي تعاقبت على تسيير المطرح المذكور لم تجد حلولا لمشكل عصارة الليكسيفيا. ويبقى في ظل تعتيم المعلومة وصمت عدد من المسؤولين، لم تظهر نتائج التحاليل المخبرية للوصول إلى النتيجة ومعرفة هل الأمر يتعلق بتسرب عصارة “الليكسيفيا”، أم بتصريف المياه العادمة، أم رمي بقايا الزيتون.

Exit mobile version