مجلس إقليم الناظور.. هل يغسل “فسخ العقود” خطايا سنوات من هدر المال العام؟

حجم الخط:

النهار المغربية – محمد زريوح

مع اقتراب إسدال الستار على الولاية الانتدابية الحالية، يبدو أن مجلس إقليم الناظور قد استيقظ فجأة من غيبوبة تدبيرية دامت سنوات. الدورة الأخيرة لم تكن مجرد اجتماع إداري عادي، بل كانت محاولة صريحة لتصفية حسابات الفشل المتراكم، وتصدير الأزمات إلى جهات خارجية، في محاولة لترميم صورة المجلس أمام الرأي العام قبل أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها الفصل.

ملف المحامي.. الشماعة الجاهزة؟

جاء قرار المصادقة بالإجماع على إنهاء الاتفاقية مع محامي المجلس،، ليفجر تساؤلات حارقة حول توقيت هذا “الحزم”. الرئيس علل القرار بخسارة قضايا بالجملة وضياع مبالغ مالية ضخمة. لكن، أين كان هذا الحرص على المال العام منذ عام 2016؟ ولماذا استمرت الاتفاقية تحت مسمى “تعديلات” بينما كانت الخزينة تنزف بسبب ملفات قضائية لم تجد من يذود عنها بمهنية؟

التنمية المؤجلة في “مقصلة” القضاء

الاعتراف الصريح للرئيس بأن الأموال الضائعة كانت كفيلة بدعم مشاريع في “العالم القروي” هو إدانة ذاتية للمجلس قبل أن تكون للمحامي. فالعالم القروي بالإقليم، الذي يعاني من خصاص مهول في البنية التحتية، ظل رهيناً لتدبير قانوني فاشل لسنوات. إن التباكي اليوم على تلك الميزانيات يبدو كـ “دموع تماسيح” سياسية، لا تعيد حقوق الساكنة التي ضاعت في دهاليز المحاكم.

صمت “المراسلات” وعجز الرقابة

كشف رئيس المجلس الاقليمي الناظور عن وجود مراسلات سابقة وإشعارات للسلطات الإقليمية حول غياب المحامي وتقصيره. هذا الكشف يفتح باب المساءلة: إذا كان الخلل مشخصاً منذ مدة، فمن كان يوفر “الحماية السياسية” لاستمرار هذا الوضع؟ إن الاكتفاء بالمراسلات الورقية دون اتخاذ قرار الفسخ الفوري يعكس نوعاً من التراخي، أو ربما العجز عن اتخاذ القرارات الشجاعة في وقتها المناسب.

محاولات “التجييش” وضرب المؤسسات

الحديث عن محاولة المحامي التأثير على الأعضاء لثنيهم عن حضور الدورة يعد سابقة خطيرة في علاقة التعاقد بين المؤسسات والمهنيين. هذا الاتهام، الذي ساقه الرئيس أمام الملأ، يعكس حالة من التوتر وصلت حد “كسر العظم”. لكنه يطرح أيضاً تساؤلاً حول مدى تماسك الأغلبية داخل المجلس؛ فهل أصبح أعضاء المجلس “أهدافاً سهلة” للتأثير الخارجي إلى هذا الحد؟

صرخة “دينا” وكسر حاجز الطاعة

لم تمر الدورة دون “نغمة” معارضة أو استفسار منطقي، حيث جاء تدخل المستشارة “دينا” ليضع الإصبع على الجرح. مطالبتها بتحديد المسؤوليات وملابسات هذا النزيف المالي تعبر عن لسان حال الشارع الناظوري. فالمسؤولية لا تسقط بمجرد فسخ عقد، بل يجب أن تمتد لتشمل من وقع، ومن راقب، ومن سكت عن هذا الهدر طوال عقد من الزمن

“حمى” الاتفاقيات وسباق الأمتار الأخيرة

في المقابل، شهدت الدورة مصادقة “جملة” على اتفاقيات شراكة مع جماعات ترابية متعددة. من طرق سيارة إلى شاحنات نفايات وسيارات إسعاف؛ بدا الأمر وكأن المجلس يريد توزيع “الغنائم التنموية” في اللحظات الأخيرة. هذا التكثيف المفاجئ للمشاريع يثير ريبة المراقبين، الذين يرون فيه محاولة لاستمالة رؤساء الجماعات وضمان الولاءات الانتخابية تحت غطاء “التعاون الإقليمي”.

رزانة الإدارة أمام اندفاع السياسة

وسط هذا الاندفاع نحو الانفتاح الدولي عبر “إعلان نوايا” مع جهة فرنسية، جاء رأي الكاتب العام ليعيد الأمور إلى نصابها. التنبيه إلى ضرورة حضور المعنيين وتدقيق البنود قبل التوقيع كان بمثابة “صفعة” قانونية لاندفاع سياسي غير مدروس. هذا التأجيل يثبت أن المجلس كان مستعداً للتوقيع على أي شيء لمجرد تسجيل “إنجاز وهمي” عابر للحدود، لولا حكمة الإدارة الترابية.

الحساب آتٍ لا محالة

إن ما حدث في الدورة الأخيرة لمجلس إقليم الناظور هو تجسيد حي لأزمة التدبير التي تطبع بعض مؤسساتنا المنتخبة؛ صمت طويل عن الأخطاء، ثم استفاقة مفاجئة مقرونة بوعود تنموية سخية مع قرب الرحيل. إن فسخ العقد مع المحامي قد يغلق ملفاً قانونياً، لكنه يفتح ملفاً سياسياً وأخلاقياً لن يغلقه إلا تقييم حقيقي وشامل من طرف المواطنين، الذين سئموا من كونهم “حطب” معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.